الأزمات المتتالية والحرج الذي يعيش فيه المسلمون هذه الأيام في البلاد العربية وغير العربية بفعل الإرهابيين الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، وبمشاركة من يؤيدهم ويتضامن معهم جهرًا أو سرًا؛ ليس جديدين ولا طارئين مع وجود "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية التي سبقته، أو من الذين سيبتكرهم الوضع الفكري المتأزم والخطاب الديني المتشدد الذي تعيش فيه البلاد الإسلامية وساكنوها.

تصريح والد أحد عناصر الفئة الضالة الذي شارك في حادثة مركز "سويف" التابع لجديدة عرعر بمنطقة الحدود الشمالية؛ نموذج للحرج والألم الشخصي اللذين يعرض أمثال هؤلاء المجرمين ذويهم وبلادهم لهما، والذين لا تعادل خسارتهم شيئا إلا خسارة الوطن في أبنائه وخذلانهم حق الوطن من الحماية والمحبة والإخلاص.

اليوم وفرنسا يصلها لظى الإرهاب في عملية إجرامية تمثلت في هجوم دموي الأربعاء الماضي على مقر المجلة الأسبوعية الساخرة "شارلي إيبدو" بسبب رسومات ساخرة وتجسيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الرسم الساخر، مع عملية احتجاز رهائن المتجر اليهودي في تداعيات هذا الهجوم على المجلة؛ فإن العالم ربما يدرك أخيرًا أن الإرهاب والتطرف لا دين لهما ولا وطن يقفان على حدوده، وأن هذه التنظيمات تبتكر لتحقيق غاياتها ألف سبب وترتكب ألف وسيلة لترهيب الناس وسفك دماء الأبرياء والمسالمين من أي دين أو ملة أو عرق، كما أنها تلبس ذلك -كما يفعل "داعش" وأمثاله- لبوس الانتصار للدين ومحاولة إعلاء كلمة الله وإقامة العدل في الأرض. هذا الانتصار الزائف للإسلام الذي فرح به البعض ممن يتضامن مع منفذي مجزرة "شارلي إيبدو" بحجة نصرة الرسول عليه السلام؛ هو نتاج تربية فكرية متطرفة جعلت التدين يتجسد بصورة شكلية عنيفة تقاوم الحياة السلمية التي فطر الله الناس عليها، والتي مثلها نبي الرحمة في سيرته مع من آذاه من المشركين وعلمه الله في قرآنه: "فاصفَح عنهُم وقُل سَلام" الزخرف:89، وإرهاب ناتج عن أطماع دنيوية وتغييب لحقيقة الإسلام وترسيخ الأحقية في محاسبة الآخرين وقتالهم وتصفيتهم إن لزم الأمر دون تدبر لمحكم آياته، واتباع تام أعمى لمن سلبهم إنسانيتهم وعقولهم وتجاهل الأوامر الإلهية بالانحياز للسلم: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم" القصص: 55.

اجتمع العالم في باريس مناهضا في مسيرة سلمية ضد الإرهاب الذي بدأ يُقلق أوروبا والدول الكبرى، وبمشاركة رسمية من بعض قادة دول العالم والرؤساء العرب كتعبير عن احتجاجهم على ثلاثة الأيام المرعبة التي عاشتها فرنسا بسبب هؤلاء الأفراد القلة من الإرهابيين، وتثبت التحقيقات المستمرة حتى كتابة هذا المقال أنهم من خريجي مدارس الإرهاب في بعض الدول. وبعيدا عن نظرية المؤامرة التي يُفرغ فيها بعض المسلمين عقدهم وإنكارهم لحقيقة أن الإسلام "الصوري" الذي خلقه المتطرفون أصبح مصدرا للرعب في كثير من الدول الإسلامية وغير الإسلامية، ومُصدّرا كذلك للدمار والدماء والجرائم والعمليات الانتحارية والإرهابية؛ بعيدًا عن هذا كله كنت أتمنى على هذا التجمّع العالمي السلمي الذي توافق معه إعلان وزير العدل الأميركي عن عزم بلاده عقد قمة أمنية عالمية في الـ18 من فبراير القادم؛ أن يلتفت لبقعة أُخرى في العالم تعرضت في اليوم نفسه الذي حدثت فيه جريمة "شارلي إيبدو" وقُتل من قتل فيها من أبرياء؛ أن يلتفت لبلدة "باغا" شمال شرق نيجيريا التي تعرضت لهجوم عنيف شنه مسلحو "بوكوحرام" المتشددة التي اجتاحت عناصرها البلدة وأحرقوها وتسببوا في مقتل المئات من الضحايا حتى أن الجثث لا زالت مكدسة في شوارعها حتى الآن!

وجماعة "بوكوحرام" كما هو معلوم جماعة دينية متطرفة تشن هجمات عنيفة على الحكومة النيجيرية منذ 2009 بغية إقامة "دولة إسلامية". وأيضًا يوم الأربعاء الذي تعرضت فيه "تشارلي إيبدو" للهجوم؛ سقط في أحد شوارع صنعاء قرابة الأربعين قتيلا في هجوم إرهابي على مقر كلية الشرطة بسيارة ملغومة وكان الضحايا من طلبة الكلية ومن بعض المارة. وتشهد اليمن في السنوات الأخيرة صراعا داميا بين الجماعات الإرهابية هناك من "الحوثيين" ومن جماعة "القاعدة" التي تزدهر نشاطاتها مع فشل الانتقال السياسي للسلطة وسقوط الخيارات السلمية، حتى أن أحد مراكز الدراسات والأبحاث عد 2014 العام الأكثر دموية في تاريخ اليمن مع سقوط قرابة أربعة آلاف ضحية خلاله.

وفي باكستان وأفغانستان تستمر عمليات الإرهاب والتصفية من "طالبان" ومواليهم في حق الأبرياء، ويوسع "داعش" رقعة دمويته في العراق وسورية ويعلن عبر منابره الإلكترونية، في يوم الأربعاء نفسه، عن وجوده الرسمي في ليبيا ويوثق بالصور معداته وأسلحته الثقيلة وبيانات عن عملياته الإرهابية في حق بعض الجنود الليبيين في تحد كبير للعالم وبمباركة من بعض المليشيات المسلحة هناك كجيش "شباب الإسلام" الذي أعلن مبايعته وولاءه للبغدادي زعيم "داعش"، لتنضم بشكل أكثر إرهابا للجماعات التي تُسيطر على أجزاء كبيرة من ليبيا وتمعن في دمارها أكثر.

من عرر شمال السعودية حتى قلب باريس الذي يجتمع على سلامته العالم، مرورًا باليمن والعراق وليبيا ولبنان وأفريقيا الوسطى وباكستان وأفغانستان، نجد للإرهاب بصمة دامية وللتطرف قدم يتدخل بها في تلك البلدان وغيرها، والمؤسف أنه يحمل اسم الإسلام ويجمع الحشود حوله وتتسع رقعته مع صمت العالم وتغاضيه كثيرًا عن بعض البقاع وما يحيق بها من سعار التطرف.

على السياسة ما عليها من تحرك ينبغي أن يحقق السلام الدولي، وأن يأخذ الساسة أمر انتشار الإرهاب ووصوله لكل مكان بدموية على محمل الجد. وعلى الحكومات خاصة العربية والإسلامية أن تُعيد النظر في سياستها بخصوص التعامل مع المحرضين والمؤججين للصراعات الدينية والمذهبية بالداخل، وأن تُدرك أن الحرب على الإرهاب حرب فكرية وثقافية بالمقام الأول، ولهذا ينبغي أن تُسخر الجهود وتُعقد القمم.