في سنة 1995، دخلت إلى إحدى مكتبات الكتاب المستعمل في الرياض، وأمضيت فيها ساعتين سعيدا بغلة من الدوريات النادرة، وقبل خروجي، أهداني صاحبها كتابا تناوله من بين مجموعة كتب يضعها خلفه، وأوصاني بقراءته في أقرب وقت.

كان كتابا مهترئا، مطبوعا في السبعينات الميلادية، إن لم تخني الذاكرة، يتساوى فيه لونا غلافه وأوراقه، وكأنه إحدى الدراسات النقدية المطبوعة في منتصف القرن الماضي.

عنوانه: "ليالي هيروشيما"، وهو مترجم عن اليابانية. موضوعه وطريقة عرض مادته يجعلانه شبيها بالروايات التاريخية، إذ يصور ليلة إلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما، والليالي التي تلتها.

قارئ الكتاب يكاد أن يشم روائح الأجساد المحترقة، وأن يستمع إلى أنات الأبرياء، لتجتمع له مشاهد تذكره مجتمعة بمشاهد يوم القيامة.

قرأته في الليلة نفسها، وأنهيته ساخطا على أميركا، وعلى كل الحروب والمحاربين، ثم حمدت الله على "نعمة الإسلام" التي تجعل حياة الإنسان قيمة في ذاتها.

حينها، قلت في نفسي: لن يجرؤ الإنسان – بعد هذه البشاعة – على بشاعات أخرى مماثلة؛ لأن له عقلا، ولأن الأديان والقوانين كلها تحرم قتل الأبرياء بجريرة المحاربين.

قراءة ذلك الكتاب غيرت في داخلي أشياء كثيرة، وجعلتني مؤمنا بالإنسان وحياته، وحقه في الكرامة والحرية، وأن أي اعتداء على أيٍّ من هذه العناصر جريمة كبرى، لا يبررها مبدأ، ولا يمحوها هدف مهما توهمنا سموه.

وبعد عشرين عاما، رأيت -رأي العين، وليس من خلال قراءة كتاب- الإنسانَ يسوغ قتل الأبرياء لمجرد اختلاف الاعتقاد، ويمارس ذلك علنا، وبالطرائق الأكثر بشاعة، كالذبح، والنحر، والقتل الجماعي، فأدركت أنني كنت أستشرف الحلم الخاطئ، وأن الطغيان ممتد بامتداد زمن الوجود البشري.

المخزي في القتل الجديد هو مبرراته؛ إذ ينطلق القتلة من "الدين"، ويهدفون كاذبين – وهو يعلمون أو لا يعلمون – إلى خدمته ونشره، وليت انطلاقهم من دين غير الذي حمدت الله عليه بوصفه نعمة عظيمة، وهو كذلك ما لم تخالطه السياسة التي ما خالطت شيئاً إلا شانته.

عبر سنوات دراستنا في مناهجنا السعودية التي ألف بعضها محظورون الآن، وألف بعضها الآخر ممقوتون الآن، سواء أكانوا سياسيين منتمين إلى تنظيمات، أم متطرفين "خلقة"، كانت جملة: "ضعف الوازع الديني"، لا تفارق موضوعا من الموضوعات المتعلقة بالجرائم والانحرافات والموبقات، إذ كانت هذه الجملة مثبتة كـ"الكليشة" على رأس أسباب السوءات كلها. فكيف أصبح "الوازع الديني" نفسه سببا في أبشع وأسوأ وأقبح الجرائم؟!

هنا، يتوقف العقل، إلا عن إدراك وجود انحراف خطير، ولا علاج له من أصله، إذ من غير المنطقي أن يكون ذوو الأيادي الملطخة بدماء التحريض، هم المحاورون والناصحون. يجب تعديل المسار، وإبعاد هؤلاء عن مواقع التأثير، لأن المثل القائل: "وداوها بالتي كانت هي الداء" مثل مغرر، كغيره من أمثالنا وأقوالنا وقواعدنا المتكلسة.

تأملوا بموضوعية، واستحضروا الدوافع، لتجدوا أن قتلة الأبرياء في باريس، أسوأ من قتلة الأبرياء في "هيروشيما".