أحلام كبيرة وتغييرات كثيرة تلك التي أراد الشارع العربي تحقيقها عبر الثورات الماضية، وهو الذي طالما تمتع بالضبابية والبؤس الاقتصادي، وتشتت المشهد الفكري السياسي وواقعه، وتحولات حالة الغليان التي كانت وما زالت تعيشها العديد من المجتمعات العربية، ونفضها لعمامة الانهزامية التي كانت تتغشاها، ثم ها هي تتفجر تباعا، كما تجلى في ثورات (تونس ومصر واليمن وليبيا)، والنوايا غير الحسنة لفكر سياسي مقتصر على استغلال الحالة الآنية، لتحقق أكبر قدر من المكاسب على حساب وحدة الوطن وأمنه.
لقد تلخصت ثورات الشعوب العربية في الوقت الراهن في أنظمتها من واقع حالة التبلد الفكري السياسي، التي أجلت بل وقمعت كثيراً من المشاريع التنويرية والتطويرية لبعض أنظمة الحكم العربية، التي تفنن بعض الحكام العرب في هزيمة قوانينها التي وضعت في أعقاب ثورات الشعوب العربية على المستعمر الأجنبي لتحصل على استقلالها، والتي توجه قادتها بالشعارات والخطب الرنانة عن الحرية والكرامة والنور والتنوير، لتكتب هذه المرة الأسطر العريضة لحقبة استعمارية جديدة من نوع آخر تحت مسميات جديدة، لم تفطن لكارثيتها عقلية المواطن العربي المأخوذ بنشوة تخلصه من المستعمر الأجنبي، ولم يتخيل قط بؤس ما ينتظر مستقبل مشاريعه التنموية والفكرية والاجتماعية، إذ قام بعض حكام الدول العربية بتدجين مواطنيهم من خلال تبجيل انتصاراتهم على المستعمر الغاشم، وترويجهم بكل أبواق العالمين، لشعارات الوحدة والقومية العربية التي اجتاحت الشارع العربي في فترات الخمسينات والستينات والسبعينات الميلادية، مما خدر عقلية وروح الشارع العربي لأكثر من ستين عاما أو تزيد.
ظل انشغال المواطن العربي بالبحث عن لقمة العيش، وإيمانه أن أبناء وطنه حماته وحكامه هذه المرة هم أهل للثقة، وأن حلمه بالمستقبل الجميل قد فتح ذراعيه بكل ما فيهما من رحابة، وإن هي إلا بضع سنين حتى يسعد بكل جديد، وعلى صور ذلك الحلم ظل يعيش المواطن العربي، وأمله تغيير واقع التخلف والتأخر الذي كانت تعيشه المجتمعات العربية على طريقتها في ذلك الزمن، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفنه، إذ حينما أفاق بعد بضع سنين وجد أنه قد غفل عن مراقبة قادته، ومن اعتبرهم حماة الثورات والأمناء عليها، ليجد نفسه بين كماشتي الدساتير المعدلة على مقاسات حكامه، ولقمة العيش الصعبة، وقد شاءت الأقدار أن تستمر حالة الانهزام والصدمة التي مني بها المواطن العربي المغلوب على أمره على مر كل تلك العقود، التي لم تتخلص فيها عقليته من فكرة (المؤامرة عليه)، والتي روج لها بعض القادة العرب بين مواطنيهم وكلٌّ على طريقته، ليحكموا قبضاتهم على شعوبهم المنهكة والمستسلمة، بعد فقدانها للكثير من حيويتها وشجاعتها ووحدتها، تحت وطأة أنظمة الاستخبارات المركزية الداخلية ومسمياتها المختلفة وأهدافها المتربصة، ففي الوقت الذي كان يجب أن تكون تلك الأجهزة عونا وحاميا لشعوبها تحولت لتكون القيد والويل والوعيد، و(الخصم والحكم).
ولقد استمرأ ذلك بعض قادة الشعوب العربية، وراق لهم فامتهنوا شعوبهم، ونهبوا ثروات بلدانهم، وتربصوا بأهلها، ومضوا في تخبطاتهم، حتى تنكروا لمبادئ الديموقراطية التي يرفعون شعاراتها، متناسين أن الشعوب تغير جلودها وأفكارها، وطريقة عيشها، وأن عليهم أن يتماهوا مع تلك المتغيرات إذا ما أرادوا كتابة استمرارهم وديمومة مقاعدهم. فقد فشلوا حتى في تطبيق مبدأ (مكيافيللي) "الغاية تبرر الوسيلة". فلا هم تماهوا مع واقع متغيرات العصر، ولا هم نجحوا في قراءة طريقة تفكير مجتمعاتهم واحتياجاتها، لكن الواضح أن جذورهم ضاربة في أعماق العقلية العربية، وأن التخلص منها كان شكليا لا أكثر، وأننا نحتاج كي تنجح ثوراتنا إلى بناء الإنسان العربي أولا، وليس العمران العربي.