كفراشة يغسلها المطر، وتلفحها الريح كأنفاس مبخرة، ونفحات أغنية تهدهد الروح على وسادة الأرض، عبر الشاعر عبدالكريم العودة ذات زمن أخضر، كغمامة حطت على كتف نخلة، تراود الفضاء الفاتن وتقطف اللذة من عسل الشعر ومفاتيح الكلام. كان يفتح شباك حنجرته فيتهاطل الضوء والزهر والعقيق وعصافير الضحى، بريئاً كأناشيد الأطفال في الصباحات المدرسية، نقياً كجداول الماء المنسرب من فم الغدران الجبلية، عميقاً كبطون الأيام والعصور وتأريخ المدائن، وفي غفلة منا ومن الحياة توارى العودة حاملاً حزنه العظيم، تاركاً أقلامه ودفاتره ومحبرته وقصائده نهباً للصمت والحيرة وذاكرة الرماد. اختفى كالحلم وبوح المطر ورجفة الطمي المذوب في حقول الذرة، ورعشة القنديل الساهر في ليل العتمة، ترى هل أنهكه التحديق بحثاً عن "سماء ثامنة"؟ وهو على يقين باستحالة ذلك، ترى هل آذته الضحالة والاندحارات والعطب والإكراهات فآثر العزلة المفرطة؟ أم أن مكبوتات القلب ووجع الجوارح المتقدة والملحة حبسته كشاعر مثقل بالضيم والمعاناة وأخذته جسداً مهيضاً داخل قميص الحسرة والغياب؟ اجتمع نفر من "عمال المعرفة" كما يقول:"العرفج الداهية" داخل إيوان "الثقافية" "إبراهيم التركي، عبدالله الزيد، أحمد الدويحي، محمد الحربي، علي الدميني، ليلى الأحيدب، عبدالله الوشمي، عطية الخبراني" وتبادلوا حرقتهم وقسوة فقدهم وهواجس أفئدتهم المنشورة على حبال أوردتهم، وتعويلهم على أن يسمع العودة أصوات حناجرهم" أين أنت؟" عد يا نديم المسيرة هكذا يقول له عبدالله الزيد "عد إلينا فأنت الإنسان النبيل، الفنان العذب، الشاعر المذهل، الناثر الآسر، العبقري، الساحر" ويقول الحربي محمد: "احتفظ للشاعر المثقف الكبير المعلم عبدالكريم العودة بأربع قصائد فقط، وهي تشبه عبدالكريم إلى حد بعيد، عالية رقيقة، دافئة عميقة، هادئة ثائرة، ذات طابع سيمفوني". ويقول أحمد الدويحي "عرفت الصديق الشاعر عبدالكريم العودة محرراً ثقافياً، ويشكل ثنائياً مع رفيق دربه الأستاذ المبدع محمد علوان في مؤسسة اليمامة، لمحت في الرجل الأناقة والهدوء والتواضع، رجل معرفة من طراز رفيع، شاعر يملك حساسية عالية بأسرار اللغة التي يعد فيها فقيهاً". ويقول علي الدميني "أمام عبدالكريم لا أجد وصفاً يشابه جوهره، إلا في القلة من أمثاله، هو الإنسان القصيدة الأشد عذوبة وعمقاً ونبلاً وألقاً في حياتنا الثقافية، إنسان لا يجود الزمان بأمثاله إلا قليلاً". وتقول ليلى الأحيدب" إن الدخول إلى عالم العودة شبيه بالدخول لبركان، على عكس ما تشي به صورته الوديعة وصوته الهادئ، تبدو كتاباته النثرية حمماً حارة تطرح شوك الأسئلة وتمضي نحو تلة أخرى، هذا المبدع القلق يكثر من طرح الأسئلة التي تغمد النصل في الخاصرة". ويقول عبدالكريم العودة "هناك خطأ كبير نرتكبه حين نأتي، وخطأ أكبر نتركه حين نذهب".