"البارحة قلبي من الهم.." أخذ "أبو البنات" كما يكنى يردد هذه الكلمات ويتبعها بالآهات على نصيبه الذي كتب له حيث لم يرزق إلا بولد واحد!
في البيت المجاور لبيته كان أحد الكتاب ينثر حروفا من ألم لحقوق المرأة التي ضاعت في مجتمع ذكوري وتناسى كيف يصرخ غاضبا من طفلته عندما تتعلق بقدميه وينادي أمها التي تهب مسرعة لحملها برفق وحب وتبتعدان عنه مسافة أكبر!
وفي بيت مجاور للمسجد الجامع كان الإمام يقلب في كتبه بحثا عن خطبة تناسب الخطبة المقررة عن مناسبة الاختبارات وما يتبعها من عطلة ليقوم بإضافة أخطار تواجه الأمة مصدرها النساء كما اعتاد في كل خطبه!
في الحديقة القريبة منهم تجمعت مجموعة من الشباب تنتظر انطلاقة عبثها اليومي المغطى بالمزاح والسخرية لمضايقة العابرات والتلفظ بألفاظ جارحة ولو كانت رقيقة في ظاهرها أو موجهة لغيرهن!
وفي مقهى المدينة الأكبر أخذ العامل يرتب الحواجز الفاصلة ليضعها بين أنفاس رواد المقهى حتى لا يختلط نفس بنفس!
وأمام باب الدائرة الحكومية موقف لموظف مهمته توجيه النساء للشباك الوحيد الذي يتزاحمن عليه!
وفي الشبكة العنكبوتية وضع المشرف على موقع الدائرة الأخرى عبارة "غير مسموح لك الدخول بدون إذن محرمك"!
وبين عبث الأطفال ولهوهم كانت ألعاب البنات أرق وأكثر إبداعا وكان لعب الأولاد أكثر عنفا واحتكارا.
وبين فينة وأخرى كان أحد الأولاد يتلف ما شقيت لأجله البنات فيعدن باكيات في الحارة الهادئة من خارجها! كما كان أحد آباء الأشقياء يكيل الكلمات البذيئة ويصب اللعنات يمنة ويسرة على كل من يحسبهن مخالفات لما يراه!
كان زوج مزنة يعد سيارته الفارهة لمشوارها الوحيد لعمل مزنة بالشهر حين تستلم الراتب فيوصلها ويأخذ المقسوم أو "المغصوب" ويترك لها ما تبقى وأكثره يذهب لأقساط سيارته وتعود بنهاية اليوم مع سائق الليموزين وسيارته المتداعية!
عند مجموعة من الخطاطين عبارات للكتابة على جدران مدارس البنات ومنها لوحات تعلق بداخلها تحدد قيمة المجتمع وتحاكم أخلاقه!
غنى شاعر للحب قصيدة كانت قافيتها اسم امرأة..
كانت الحياة تسير على وتيرتها المعتادة ما لقيصر لقيصر، وما لزوجة قيصر لقيصر، إلا قلة من النساء وصلن لحكم قلوب الرجال قالت عرافة المدينة إنهن قدمن مع الفجر الأبيض من الغرب وقالت عرافة أخرى بل هن نساء ولدن بلا قلب فأكلن قلوب الرجال!
هبت ريح باردة واقترب كوكب الزهرة من الأرض، وحملت الريح كل النساء معها وغادرت وتركت البيوت بلا نساء وانتزعت كل كلمة كتبت عنهن وتركت الحروف دون نون!
كان الشاعر أول من فجع بسقوط قافيته قبل أن تغيب عن الخطاط كلماته المغمغمة بالشك والتخوين ولم يجد زوج مزنة في ذلك اليوم لا بطاقة الصراف ولا صاحبتها لأن كل علامات التأنيث اختفت!
ولم يعد لعب الأطفال الأشقياء يجد متعته بين دموع البنات وصراخهن؛ وارتدت الكلمات القاسية على من قذف بها!
واختفت كلمات ارتبطت بهن من معرف وولي فوجد كثير أنفسهم بلا هوية أو انتماء لامرأة! حتى الرجل الذي يسمونه صريع الغواني أصبح صريعا فقط ولم يفق قط!
وفي مقهى المدينة أكلت دودة الأرض كل الحواجز التي علاها الغبار كما ذبلت قلوب المنتظرين لأطياف النساء العابرة!
ومن بين الخطبة المكررة التي لم تلق بعد لم تبق إلا سطور قليلة لا تكفي لاعتلاء المنبر!
أما الكاتب المغرور فلم يجد من يصرخ فيها أو ينفث دخان غضبه أو يكتب عنها وكأنه سقط في ثقب أسود! أما أبو البنات فلم يعد أبا وأضحى بلا أنات لكنه فقد الحياة!
لم تنم أحزان المدينة تلك الليلة فقد استمر الأطفال بالبكاء واكتشف الآباء أن كل محاولاتهم فاشلة في ملامسة دموعهم!
لم تغادر الطائرات بلا مضيفاتها الورديات ولم يغط الممرضون غياب الممرضات حتى الأشجار لم يعد للاخضرار أزهار ولا ثمار.
اختفت مع الأيام مظاهر الحياة في المدينة فلم يجد الموتى باكية أخرى تهيج البواكيا؛ ولم يرق قلب رجل لشكوى رجل.. وزاد عصف الغياب بكل صغيرة وكبيرة فبقيت ثمار الحياة خضراء دون نضج أو ناضجة دون قطاف.
توقفت الحياة وتدخلت لأعيد النساء إلى الحكاية لكن النساء اللواتي بلا قلب اشترطن أن يتوقف كل الرجال عن إيذاء النساء؛ وأن يكتبوا موثقا لكن الرجال رفضوا ذلك ثم إن بعضهم لا يجدون الكتابة ولا يصدقون الحكاية! جمعت دموع الصغار وآهات الكبار لكنها لم تخترق سقف الأماني لتعيد ما كان.
وسمعت نزار يردد بعد مقتل بلقيس:
"بلقيس.. يا بلقيس .. يا دمعاً ينقط فوق أهداب الكمان
علمت من قتلوك أسرار الهوى
لكنهم.. قبل انتهاء الشوط
قد قتلوا حصاني!"َ