لم يبلغ أحد درجة عالية في تشويه الإسلام مثلما فعل بعض المسلمين أنفسهم، ولم يسئ أحد إلى سماحة وهدي رسولنا العظيم - صلى الله عليه وسلم - مثلما فعل بعض من يدعون انتماءهم للإسلام.

لم يكن الإسلام طاردا ومنفرا، ولم يكن الرسول العظيم متكبرا، كان رسول الرحمة الداعي إلى مكارم الأخلاق، لكن متكسبين انفلتوا من عقال الدعوة والرحمة التي أمر بها صلى الله عليه وسلم، ليفعلوا ما لم يفعله أمية بن خلف وأبوجهل، وضربوا الإسلام في موجع بأشد من تلك التي فعلها ابن سلول، وتآمروا عليه بخبث أكبر مما فعل يهود بني قريظة.

ليس الإرهابيون في كهوف تورا بورا وعلى حدود الموصل وحلب هم من يفعل ذلك فقط، وإن كانوا أشد ظلما وجورا، بل معهم أولئك المتمسكنون الذين ينتمون لنا لغة ودينا، يبثون الفتنة ويؤججون الخلاف ويفرقون بين المجتمع الواحد، حتى إنهم باتوا يحددون ومن أنفسهم البلاد التي ستدخل الجنة وتلك التي ستحرم منها، إنهم يسيئون إلى الإسلام ويفتكون بهديه حتى بات ربطه بالقتل والتدمير الفعل الذي يطربهم وينتشون به.. يشوهون صورته العظيمة حتى جعلوا العالم يجتمع عليه، ويراه بغير الحقيقة التي هو عليها.

العبث يطالنا من داخلنا ونحن ما زلنا نستمرئ الصمت حتى أصبح بعض الجهال هم من يقود الرأي العام ويعيث به حتى لو ظهر أمام الملأ، وهو يمارس ما يرفضه ويطالب الحرب عليه، لكننا ما زلنا نقدمهم ونضعهم ضمن المؤثرين على مجتمعنا. ألم أقل لكم إنهم بيننا وحولنا، لنعيد التساؤل عمن أساء لديننا الحنيف أكثر الغرب أم بعض المنتمين لنا؟.. من بطَشَ بالمسلمين أكثر؟ ومن زاد فرقتهم؟ وجعل كل فريق يرى الآخر العدو الذي يلعنه قائما قاعدا وعلى المنابر وفي التجمعات والندوات؟ من الذي بث خيوط الفتنة عبر البرامج التلفزيونية وقبلها أشرطة الكاسيت والنشرات المضللة الداعية للفرقة؟

علينا أن نستفيق فعدونا موجود بيننا، بل إنه من جعل الصحيفة الفرنسية - ومن على شاكلتها وبكل قذارة ونتانة - تجرؤ على الاستهزاء بمقدساتنا، لتستفزنا جميعا وتقرع جرس حواسنا ألماً وحسرة على وضعنا الذي صنع تجنيا مؤلما علينا أشده أنه لم يحترم حتى أغلى البشر لدينا رسولنا العظيم، نعم علينا أن نبحث عن عدونا الذي بيننا قبل الذي في أوروبا وأميركا، ذلك الذي صنع للإرهاب دولة وكيانا بنظرته الأحادية التي عززتها طبولنا الفارغة المعنية بالضجيج فقط.. بيننا المحرضون والعاملون بصمت وتخفٍّ لزرع بذور التطرف والإرهاب، ونحن ما زلنا ننظر إلى البعيد ونقول إن عدونا هناك.

ختام القول.. هل شاهدتم المسيرة المليونية في باريس؟ أرأيتم المتكسبين الحقيقيين الكارهين للإسلام وهم يحتفلون بقدرتنا على تشويه ديننا؟ ألم تشاهدوا نتنياهو ومجموعة الحاقدين الراغبين بالتأليب على الإسلام، هل سركم المنظر؟ كنا نتمنى لو أن رسالتنا للعالم ألا ينسى أن ديننا قد علمهم معنى التسامح ولقنهم أسسه وتعاليمه من عدله ورقيه الفكري والتعاملي، نذكرهم بأن انتشار هذا الإسلام قد ازدهر بالقدوة والمعاملة الحسنة وحب الآخر والتسامح معه حتى لو لم يكن من أهل الإسلام، أن يقرأوا تعاليمه التي ترفض الفتنة والتحريض، قبل أن يضعوا الإسلام في كفة والعالم الآخر في كفة أخرى، ويا لفرحة كارهي الإسلام من أولئك العنصريين الذين يجدون في ذلك انتصارا لأهدافهم المعادية للإسلام، بالتأكيد هم أشد سعادة لأن بعض المسلمين قد كفوهم ذلك.