لا شيء يبعث الحيرة هنا بعد السؤال التقليدي "وش أجيب لكم عشاء؟" سوى السؤال الآخر: "وين نسافر في الإجازة؟" وهذا السؤال الأخير بالذات ليس باعثا للدهشة فحسب، بل هو حيلة شيطانية كبرى لبث اليأس والقنوط في قلب رب الأسرة المسكين، الذي سيجد نفسه أمام خيارات قليلة بائسة سيستعرضها جميعا ثم سيفاضل بينها بخجل بالغ، ليختار في نهاية الأمر خيارا جديدا ليس من حزمة الخيارات السابقة، ألا وهو البقاء بأسرته في المنزل لأنه ببساطة الخيار الأفضل!
يقلب السؤال التقليدي "وين نسافر في الإجازة؟" أوراقا عدة حول خياراتنا السياحية المحلية الحقيقية، تلك التي يعتمد غالبها على امتيازات الطقس والمناخ والطبيعة في نجاحها أكثر من أي عوامل أخرى! يكشف ذلك السؤال الجواب الحقيقي عن عمل الجهات ذات العلاقة بالسياحة الداخلية، تلك الجهات التي من أكبر إنجازاتها التحلق حول طاولة الاجتماعات كلما لاحت لهم الفرصة!
أما الإخوة الكرام المعترضون على الأسطر السابقة، فأحيلهم إلى أقرب صالة مطار دولية منهم في هذه الأيام، التي لن تخطئ أعينهم فيها مشاهد هجرة السعوديين الجماعية الموسمية المنظمة لدول الجوار ـ ذات الطقس نفسه والمناخ ـ وليست بالطبع ذات جودة البرامج السياحية نفسها! في تلك الصالة سيفهمون أن هذا الفرار الكبير له مبرراته الكثيرة التي ليس أقلها الاعتراض الضمني على البرامج السياحية الداخلية ـ إن وجدت ـ تلك البرامج المتخمة بالتقليدية والسذاجة، تلك التي شاهدوها بعدد سنوات أعمارهم!.
في ذلك المطار سيدركون أن السياحة صنعة لم نرسم بعد خطوطها العريضة إلا إن كان من خطوطها العريضة لدى الجهات المسؤولة إحضار أطول رجل في العالم ثم التصوير حوله!
معضلة السياحة الداخلية الأزلية، أن لا أحد حتى اليوم يعدّها مورد دخل حقيقيا، فكل الجهود المبذولة عليها هي بالضبط كترميم واجهة خارجية لبناية آيلة للسقوط!
صديقي الذي يربط حقائبه في هذه اللحظات استعدادا للانضمام لقوافل الطيور المهاجرة يذكرني باستراتيجيته المنطقية جدا، التي تنص على "سياحيا: فإن المال المدفوع الذي لا يعود على صاحبه بفرح حقيقي، فحسابك في البنك أولى به!"