يحيى الأحمد


يتصدر المجلس ملتفا بعباءته منكفئا على النار ليدفئ حطام ذلك الجسم الذي أنهكته السنين بسياطها، ويعلو محياه الصمت الناطق بلسان حاله الذي يقول: ماذا أقول فمي يفتش عن فمي.. والمفردات حجارة وتراب.. في زمن كثر "الناطقون" فيه وقل بل انعدم "المستمعون"! فتارة ينشغل بالنظر إلى النار يلتمس فيها ما دفء الماضي، وأخرى يسارق النظر بعينيه الغائرتين ثلة من الشباب في ناحية من المجلس والتي سلبت بحديثها لب ذلك الشيخ واستهوت اهتمامه، فما إن يطرق برأسه ملتمسا الدفء من النار حتى يرفعه مرة أخرى راميا بسهام نظره تلك الثلة التي تقطع صمت المجلس بهمهمات لا تكاد تسمع إلا من ذلك الشيخ لقرب مجلسه منهم! تلك الهمهمة التي يتجاذبون فيها آخر مدونات التويتر ومستجدات الواتس آب والانستجرام والكيك وغيرها كعادة حديثي العمر، إلا أن الذي شدَّ واسترعى انتباه ذلك الشيخ فيهم أن دفة الحوار لديهم بدأت تميل إلى مهاوي الردى، فبعضهم بدأ يناقش كل ما تقع عليه عينه من سلبيات بشكل فج بعيد عن المصداقية والآخر بدأ ينتقص من عادات وتقاليد وأعراف مجتمعه بنفس الأسلوب وثالث بدأ يتأفف ويقارن واقعنا بواقع المجتمعات التي سبقتنا في الحضارة منذ مئات السنين!

إلا أن العامل المشترك بين حديث هؤلاء جميعا أن الاستدلال والتأكيد في كل ما ذكروا مسند إلى مدونات ومحتويات تلك البرامج التواصلية المجتمعية المجهولة المصدر دون أدنى مصداقية فيما تحوي والتي يغلب عليها لغة التشكي الخبيثة ذات المرمى الأخبث! هنا قطع صوت ذلك الشيخ صمت المجلس وتلك الهمهمة قائلا: يا أبنائي أراكم تكثرون التشكي والعويل وتشفون غليل عدوكم منكم من حيث لا تشعرون!

فتبادلت تلك الثلة نظرات الاستغراب بينها متعجبة من كلام ذلك الشيخ! ليردف الشيخ قائلا: بلغت من العمر عتيا وأنا الآن أصارع السبعين من عمري وكما نعلم جميعا أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" وقليل من يجتاز ذلك وكما ترون فأنا من تلك القلة وأسأل الله حسن الخاتمة، مررت في حياتي بالكثير وقابلت وعاشرت الأكثر واستفدت من دروس الحياة وعاسفتها فعسفتها قليلا وعسفتني كثيرا، خضت غمار المحن التي ما ظننت الخروج منها وشربت من كأس الفرح والحبور وكلها مضت وانصرمت ولم يبق منها إلا كباقي الوشم في ظاهر اليد، أبنائي: لا أرى فيكم من تجاوز العقد الثاني من العمر، وأراكم تكثرون التشكي والتشفي فماذا تركتم "للعجائز"؟ ولم تركتم جوقة الشباب المنتج المشرِّف لأمته؟ أحبابي: هل تعلمون من خلف تلك المؤامرات التي تروونها مما تقرؤونه وتشاهدونه في إعلامكم الجديد الذكي كما "تنعتونه"؟ إنهم أعداؤكم الذين استعصت عليهم الحدود الجغرافية فاجتازوا الحدود الإلكترونية بأكاذيب وخزعبلات وتهم ما لهم بها من سلطان إلا اتباع الظن وإنهم لكاذبون، يرمون إلى دق الأسافين بين الراعي والرعية من خلال تلك "المظلوميات المزعومة" وخلافها من الأساليب القذرة التي تقف وراءها جيوش مجيشة حسدا من عند أنفسهم، أبنائي لا تشغلوا أنفسكم بما لم يكلفكم به الله من أمور لها من يتولاها وهو مسؤول عنها؛ أحبتي: هل بات أحدكم يوما ما من غير أن يجد ما يسد جوعه ورمقه؟ هل خرج من بيته لصلاة أو لقضاء حاجة وهو غير متأكد من عودته للبيت لانعدام الأمن، هل تعذر عليك أو على أحد ممن تعرف الحج أو العمرة أو حتى السفر للسياحة أو لحاجة ما لانعدام الأمن؟ هل عجزتم عن دفع رسوم تكاليف دراسية باهظة الثمن لاحتياج الثمن في الطعام والدواء، هل فكرتم وتأملتم بدور الأيتام ودور الرعاية لذوي الإعاقات والجمعيات الخيرية التي تتولى الفقراء والمساكين وماذا سيحصل لها لو فقد الأمن؟

هل تأملتم ملخص النعمة المطلقة في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح منكم معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" وهي حالكم جميعا الآن ولله الحمد؛ يا أبنائي كنا نؤدي فريضة الحج ليس للحج ولكن من الجوع علّنا نجد من يطعمنا في الطريق، وكنا ننام بلا طعام أياما كثيرة وكنا نخرج من البيوت ولا نعلم هل سنعود أم لا لانعدام الأمن وانتشار الثأرات الجائرة بين القبائل، بل كان أحدنا يمتلك ثوبا واحدا للعام الكامل بما في ذلك الصيف والشتاء والأعياد، فضلا عن عدم وجود معاني مصطلحات كثيرة، الآن تتمتعون بها كالمستشفى والمدرسة والجامعة والمتنزه و.. و.. يا أبنائي والله ما النعمة إلا كطائر حط على غصن متدل، أدنى صوت يجعله يطير بلا عودة.. يا أبنائي: إن النار بالعودين تذكى.. وإن الحرب مبدؤها الكلام، إياكم ثم إياكم أن تحدثوا أبناءكم عن نعمة كنتم فيها والعياذ بالله، حافظوا على نعم الله عليكم وعلى وطنكم معقل الإسلام فوالله ما خَدَم الإسلام فيما أعلم وفيما بلغت من العمر وفيما بلغني من آبائي مثل هذا الوطن وقيادته، وتالله ما رأيت من نزع يد طاعة من هذا الوطن ونابذه وشاهره بالعداء إلا كمن هوى من السماء "فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"...!

أما من يطلبون الكمال المطلق فليتذكروا أن بينهم وبين مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينيف على أربعة عشر قرنا فلا ينبغي أن نسعى لجعل قناة الدين صلبة صلابة قد تؤدي إلى كسرها والعياذ بالله، فالدين لين في قسوة، وقسوة في لين، والله ما أرى أن يؤتى هذا الدين وأهله في هذه الحقبة إلا ممن يتهم هذا البلد بالتقصير وينكر جهوده الجبارة في خدمة الدين وهو لا يلم بأدنى ظروف المرحلة وفقه الواقع!