السياسة والطاقة والبيئة، ثلاثة مواضيع تستحوذ على الساحة في الوقت الحاضر، وهي مترابطة وتؤثر كل واحدة في الأخرى، وتوجهها وفق المصالح ووفق قوة العلاقة، ووفق المكان الذي يتم الحديث عنه.
ولا بد لأي متحدث عن هذه المواضيع الساخنة الثلاثة من ربطها بالواقع والمستقبل، والذين يتحدثون بواقعية وموضوعية بعيدا عن الدبلوماسية يرون صورة المستقبل بشيء من الضبابية، ويرون مستقبل الأجيال غير واعد، ويرون العالم الذي سيورث للأجيال لا يدعو للفخر، إذ تقول دراسة علمية إن التهديدات لكوكبنا الذي نعيش فيه تتزايد، إذ إنه خلال العشرين سنة القادمة سيموت مئة مليون نسمة بسبب التغير المناخي أغلبهم في الدول الفقيرة.
وهذه الدراسة لم يتم الحديث عنها في الإعلام ولم تؤخذ في الاعتبار، والصورة ليست جميلة أيضا بسبب القرار باستخدام الوقود الأحفوري Fossil Fuel مما يعجل الكارثة.
والسؤال هنا إذا ما كان ذلك صحيحا، فما سبب رغبتنا في التضحية بحياة أولادنا وأحفادنا في سبيل مكاسب آنية؟ هذا سؤال كبير.
والسؤال الآخر: هل الجهود التي تبذل في الحد من انتشار الأسلحة النووية جادة؟ إذا كانت كذلك فلماذا تدعم الدول العظمى بعض دول منطقتنا التي لم توقع على معاهدة انتشار الأسلحة النووية؟ وفي إحدى محاضراته ذكر نوم تشامسكي أستاذ اللغويات المشهور والسياسي الكبير، ذكر أن الجنرال لي بتلر LEE Butler المدير السابق للإدارة الاستراتيجية في الجيش الأميركي قد عبر عن هذه المخاوف بقوله:
"إن من الخطورة بمكان أن نسمح لدولة واحدة في الشرق الوسط بتسليح نفسها بأسلحة الدمار الشامل ما يدفع دولا أخرى في المنطقة بعمل الشيء نفسه". "المصدر محاضرة تشومسكي 23 أكتوبر 2012" وهو هنا يشير بوضوح إلى إسرائيل التي توضح استطلاعات الرأي العام في أوروبا أنها أخطر دولة في العالم، فلها تاريخ طويل في إيقاع الظلم، وهي رفضت تفتيش مفاعلاتها النووية. ويضيف تشومسكي بما أن أميركا تدعمها فهي ثاني أخطر دولة في العالم.
وعن إيران يقول إنها غير محبوبة كما تبين استطلاعات الرأي العام لكنها لا تشكل تهديدا، وعن ضرب مفاعلاتها النووية فهو لا يؤدي إلى نهاية التسلح النووي لإيران بل بالدفع بقوة لمبادرات قوية في هذا الاتجاه، وضرب مثلا بالعراق التي ضُرب مفاعلها النووي عام 1981 عندها قام صدام حسين بمبادرات قوية في هذا الاتجاه وبدعم من أميركا التي قامت في عهد الرئيس بوش الأب عام 1989، بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية بدعوة عدد من المهندسين النوويين العراقيين لزيارة الولايات المتحدة الأميركية لتدريب متقدم لكيفية إنتاج السلاح النووي، ولهذا فإذا ما تم تدمير السلاح النووي الإيراني فالنتيجة ستكون نفس نتيجة العراق، وفي هذا الإطار تحدث عن مشكلة "الصواريخ الكوبية "، وعن تسلح الهند وباكستان بدعم من أميركا، وهما اللتان لم توقعا على معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبين تشومسكي أن الدول العربية، وكذلك الرأي العام الإسرائيلي، تطالب بمنطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، لكن أميركا تدفع بقوة أن تكون إسرائيل مستثناة، ويقول إن هذا الطلب لن يتحقق إلا بضغط من الرأي العام الأميركي، وهذا لن يتحقق ببساطة لأن الإعلام يعتم عليها.
وقد قام عدد قليل بالكتابة عن هذه القضية لكن في مجلات متخصصة ولم يصل رأيهم، ثم ينتقل تشومسكي إلى الحديث عن قضية هامة وهي انحدار أميركا، إذ يقول إنه بدأ بعد الحرب العالمية الثانية عندما فقدت أميركا الصين باستقلالها عام 1949، لكننا لن نرى هذا الانحدار في المستقبل المنظور فهو يقول إن البدائل التي يتحدثون عنها كالصين والهند هي دول فيها فقراء وفيها مشاكل ولا يمكن أن تحل في المستقبل القريب محل أميركا.
والعالم لا يزال يحلق بنفاث واحد هو الولايات المتحدة الأميركية التي تبلغ ميزانية الدفاع فيها مجموع ميزانيات الدفاع في العالم مجتمعة. وإمكانات التسلح الأميركي وتقنياته تفوق دول العالم، ولأميركا انتشار عسكري واسع في جميع أنحاء العالم، إذ تقدر قواعده العسكرية في العالم بنحو ألف قاعدة عسكرية، وتسيطر أميركا على سوق السلاح في العالم، وتبلغ مساحة سيطرتها ثلاثة أرباع سوق السلاح في العالم لتفوق الدولة رقم 2 وهي روسيا بعشر مرات.
لكن بالرغم من ذلك فالولايات المتحدة مستمرة في فقدان السيطرة على العالم، ففي العقد الماضي فقدت السيطرة على أميركا الجنوبية التي تعدّ الحديقة الخلفية لها، وأن الخطر القادم الذي يهدد الغرب وأميركا هو الربيع العربي الذي يصيبهم بالرعب أن تكون سياساته وتوجهاته مبنية على ما يقرره الرأي العام في الدول العربية، لأن سيطرة أميركا كما وضعها المخططون في عهد روزفلت مبنية على السيطرة على منابع النفط التي تشكل الجزء الأكبر من احتياطي العالم.
خلاصة القول، إنه على الرغم مما يجب أن نكون عليه من تفاؤل، وعلى الرغم مما نعتقده كمثقفين ومفكرين من أن المجتمع العالمي أذكى من أن يتخذ قرارات وينتهج أساليب لتدمير نفسه بنفسه، إلا أنني أظن أن المخاطر المستقبلية كبيرة، وإرث أجيالنا ليس جميلا، ما لم نعد حساباتنا في السياسة والطاقة والبيئة بشكل جاد. المطلوب أن تكون هناك دراسات تتناول قضايا السياسة والطاقة والبيئة بشكل موضوعي بعيدا عن المصالح التي تتعلق بالدول الكبيرة على حساب الدول النامية الضعيفة.
يقول تشومسكي إذا لم نفعل ذلك ستكون النتيجة أننا سنفاجأ بأننا نرفض ما لا نحب فقط لأننا لا نحبه.