كان لدينا أثناء الدراسة التحضيرية الجامعية في مقرر اللغة الإنجليزية العامة درس يتكلم عن الحالات والانفعالات العاطفية التي يمر بها الإنسان، وكان مدرس المادة قد حرص علينا أثناء الدرس وفي المراجعة النهائية للفصل بضرورة حفظ هذه المفردات للسبب الذي أشار إليه بقوله (من شان تعبروا عن مشاعركم)، وما لفت نظري في هذا الموقف هو فكرة التعبير عن المشاعر.
قد يجد البعض أن التعبير عن المشاعر باللغة الإنجليزية أمر أكثر بساطة وسهولة، فهي لغة مكتسبة من ثقافة المجتمعات الأقرب إلى أنماط الحياة الطبيعية، والتي لا تخضع للحواجز والقيود ولا نجد ميزة تشبه أسلوبها في لغتنا، وربما لأنها كما أراها في وصف محمود درويش "طيعة المفردات"، هذا بالرغم من أننا نحظى في مخزوننا اللغوي بقرابة الـ60 لفظا، وكلها تأتي في مصب قول "أحبك"، أحصاها ابن القيم الجوزية في كتابه "روضة المحبين"، وقد رأى "أن العرب لا يتفننون في التسمية الجامحة للأشياء إلا فيما يتعلق بمفاهيم شائكة تستعصي على الفهم"، فلعلنا نستنجد بهذه الدراسة المرهفة لنعيد التوازن إلى أنفسنا في الحين الذي لم نعد نملك فيه الوقت لإلقاء التحية.
قد نجد أن البعض لا يبدي التعاطف في بعض تعاملاته خوفا من الفهم الخطأ، وحينما يفعل ذلك سيجد نفسه مضطرا للدفع ببعض الكلمات الواقية من أجل تبرير حسن النية، لكننا سنكون أكثر انسجاما إذا أدخلنا أساليب التعاطف إلى علاقاتنا وتعاملاتنا، بعيدا عن التصحر النفسي الذي فرضته ثقافة "العيب" بفهمها الذي أقحم الشرعية في مفاهيم المحبة وتفاصيلها، وحصر الحب بمجاله الواسع في الإطار الذي لا يبرره إلا الدافع الغريزي، هذا إذا استطعنا الارتقاء بإنسانيتنا لبلوغ درجة كافية من النضج العاطفي الذي نستطيع من خلاله أن نحدد كيف نضع مقادير لعواطفنا؟ وأين نضعها؟ وكيف نتعامل بها؟، وهذا سيجعلنا ندرك أن الفرص لبناء العلاقات الجيدة مع الآخرين ستكون مواتية لصناعة نسيج أكثر وئاماً وإنسانية.