إذا كانت البلاغة وعلومها سباقة في الإشارة إلى الواقع، فإن الواقع الذي نحياه ما هو إلا صياغة الفن وصناعته، فالفن أصبح صناعة يقتات عليها اقتصاد أغلب الشعوب كالهند والولايات المتحدة الأميركية، فالفن لغة بالغة الخطورة في صناعة الفكر واتجاهاته، والرأي العام، والشخصية بجميع محاورها دون أن نعلم؛ في تسلل خفي يتسرب في شرايين الجسد وتلافيف المخ والأعصاب والوجدان وكل ما يحيط بنا!.

لم يعد الخطاب بلغته البلاغية المباشرة يكفي لصياغة وقائع العالم على نحو ما يزعم المناطقة الوضعانيون. ذلك أن الفن أصبح ينجز الأفعال بحيث تكون الصدارة للخطاب الفني في بناء العالم وتغييره. إن الفنون جميعها لا تراهن على وصف الواقع فقط، بل تسعى سعيا حثيثا إلى تشييده!

فمن يدرك وظيفة الفن وأهمية صياغته وصناعه؟ ومن يعطيه قدره لكي يؤتي ثماره في دعم كل الآراء والمعتقدات والقيم والمواطنة والفضيلة، وغير ذلك؛ حتى أصبح الفن في بعض الدول المتقدمة أداة من أدوات الاستعمار الفكري، وهذا أخطر ما في الأمر!.

من منا ينكر صناعة الفن الأميركي التي تُنفق عليه المليارات سنويا؟ ليس من أجل الرفاهية والمتعة وليس من أجل الدعم الاقتصادي وما إلى ذلك فحسب وإنما من أجل توطين وترسيخ فكرة البطل الأميركي الذي لا يقهر. إذا ما أمعنا النظر في شخصية البطل في الأعمال السينمائية والمسرحية الحديثة فسنجد أن الفكرة فيها تتسيدها ثيمة البطل الذي لا يقهر! وذلك لترسيخ فكرة البطل الأوحد. مما يرسخ في وجدان الشعوب فكرة الدولة التي لا تقهر، وبالفعل أدى وظيفته على أكمل وجه بخلاف الواقع وتقلباته!

ولماذا تدفقت السياحة العربية على تركيا في الآونة الأخيرة حتى أصبحت السياحة من أهم مواردها الاقتصادية؟ لم يكن ذلك إلا بعد انتشار المسلسلات التركية في الوطن العربي على الرغم من ما تعرضه من أمور تختلف عن واقعنا، إلا أنها في نهاية الأمر خدمت اقتصاد بلادها!

من الذي ينكر دور الفن في مصر إبان الستينات من القرن المنصرم وتحول الفكر المجتمعي طواعية إلى الفكر الاشتراكي، وذلك لأن الصف الأول من صناع الفيلم المصري والعروض المسرحية تلقوا تعليمهم في الاتحاد السوفيتي آنذاك! وبذلك أصبع الفن علما استراتيجيا في الفكر الحديث، ونحن نبحث عن النكتة والضحكة والغرائز السفلى!.

ومن هنا نؤكد على قدرة الفنان والمبدع على ترويض الوجدان، كما فعل عبد الحليم وأم كلثوم. لقد صاغا الوجدان العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة، فأصبح شعبا رقيق الإحساس محبا وطنيا محاربا وفنانا، وكل ما يتوجبه الفعل الإنساني، ولأنهما اشتغلا على جهاز الإحساس وصقله كما تصقل الماسة على حجر الصقل!.

ولا تقل الفنانة الكبيرة فاتن حمامة دورا عنهما في صياغة الوجدان وتكوين الفكر والتفكير، والفعل الاجتماعي بكل جوانبه، فغاصت في أعماق البعد الإنساني، ودافعت عن حقوقه، واستنبطت قوانينه كما في فيلمها (أريد حلا).

إن الفن بصفة عامة في الوطن العربي يقاس بفترة فاتن حمامة؛ فيقال قبل فاتن حمامة وبعدها، فأصبحت فاتن حمامة علامة فارقة في تاريخ الفن العربي والمصري. لقد غيرت فاتن تلك النظرة الدونية للمرأة وللفن، فقد كان الفنان قبل ذلك لا تؤخذ شهادته، ولا يصاهر أصحاب القيم، ولا يعتد به كإنسان كريم شريف ومعلم وصانع وجدان وفكر!

الفنان قيمة كبيرة، ليس لشخصه أو شخصيته، وإنما يتحول هو إلى قيمة، حين يدون تاريخ الفن اسمه، وحينما يصبح منهجا ومدرسة وعلامة فارقة.

كرمتها دول ومؤسسات، فحصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية بالقاهرة العام 1999، وجائزة نجمة القرن من قبل منظمة الكتاب والنقاد المصريين العام 2000، ووسام الأرز من لبنان 2001، ووسام الكفاءة الفكرية من المغرب، والجائزة الأولى للمرأة العربية العام 2001، بينما نرى فنانين وفنانات لا يصلون إلى ركبة فاتن يمنحون التكريمات ويحصدون الجوائز فصحت مقولة: إن "العود في أرضه نوع من الحطب"! فلم تكرم فاتن من الدولة إلا في عامها الأخير، لأن الرئيس عبدالفتاح السيسي يعرف جيدا قيمة الفنان، كما رأيناه ينزل من منصته ويقطع خطابه ليسلم عليها وهي بين الصفوف.

من الذي تجاهل فاتن وحرم جمهورها من فنها وإبداعها، فمكثت ما يقرب من ثلاثة عشر عاما في منزلها، ونحن نعلم أن روح الفنان الطليقة في الفضاءات الرحبة لا تحيا إلا بالإبداع؟!

لقد اعتقدت كغيري أن فاتن فضلت الابتعاد عن الفن، حتى سمعتها تعترف للصحفي مجدي الجلاد بأنها لا تمانع إذا ما تقدم لها عمل جيد، وما أكثر من تُكتب أعمال خاصة لهن وهن دونها بكثير.

لكن الفن أصبح سلعة رخيصة في سوق الرغبات المكبوتة، وفي الدرك الأسفل للفهم الخاطئ والمغلوط! على غير ما نراه في دول كبيرة تعرف قدر القيمة وخبيرة بكُنْه الفن ووظيفته. فهذه اليزابث تايلور استمرت في العطاء والإبداع حتى قبل وفاتها وهي في الثمانينات من عمرها، ومثلها فنانون عظام مثل أنتوني كوين ومارلون براندو وبول براينر وغيرهم. فمتى نعترف بالقيمة، بالإبداع، بالرموز وبالعلامات؟ في زمن لا يعترف إلا بالتوافه والمتسلقين!