في إجازة منتصف السنة الدراسية الحالية احتفل أهل القصيم ببهجة الإجازة داخل القصيم وليس خارجها، كما كانوا يفعلون في السنوات المنصرمة. كل مدينة في منطقة القصيم دشنت لها مهرجانا خاصا للاحتفاء بالإجازة الدراسية القصيرة، يزوره أهل القصيم ويستمتعون به. كانت المهرجانات هذه السنة مهرجانات فرحة وبهجة غير المهرجانات السابقة من ناحية التنظيم والإعداد والبرامج والفعاليات.
مشكلة إجازة منتصف السنة الدراسية أنها قصيرة، لا يتمكن أهالي القصيم أو غيرهم من قضائها خارج مناطقهم، وإلا أصبحت تعبا وعبئا عليهم، بدل أن تكون بهجة وترويح نفس لهم. ولذلك - بحمد من الله ومنته - تنبه لذلك المسؤولون في المنطقة، وكل أوجد برنامجه الترويحي المحلي في مدينته، ليوفر لأهلها قضاء إجازتهم والترفيه عن أنفسهم وهم في بيوتهم. ولم يكن هذا فقط، ولكن أيضاً قدم لها أهلها من المدن الكبيرة في المملكة لقضاء إجازتهم والاستمتاع بها بين أهاليهم وذويهم.
لقد أتيحت لي فرصة قضاء إجازة منتصف السنة الدراسية لهذا العام في منطقة القصيم، وبرفقة عائلتي بين أقاربي وأهل منطقتي. لقد حضرت واستمتعت باحتفاليتين في القصيم، وهي احتفالية المهرجان الشعبي في عسيلان ببريدة واحتفالية مهرجان الغضا بمحافظة عنيزة، وقد أبهرني المهرجانان من ناحية الشكل والتنظيم والاستعداد والفعاليات واستمتاع الناس بهما. المهرجانان انطلقا من بداية الإجازة وسوف يستمران، كما قيل لي، طوال فترة الشتاء، ولكن في فترة إجازات آخر الأسبوع. وقد استمتعت بهذا الخبر كونه قد صرف على تجهيز كل مهرجان أموال طائلة وجهود مضنية، ولذلك فمن الخسارة بأن يقتصر وجوده لمدة أسبوعين لا غير.
من فعاليات هذه المهرجانات الشعبية هي التجسيد الحي للحياة القديمة في المنطقة، من خلال بيوتها ومزارعها ومتاجرها وساحاتها وحتى طريقة معالجتها ومحاربتها للأمراض والوقاية منها، والتي طبعاً يصاحبها تمثيل حي لرجال ونساء داخلها، لإعطاء صورة أشمل وأوضح لهذه الأماكن وطريقة العيش والإنتاج وتربية الماشية والحركة بها. تشاهد معظم الزائرات والزوار مستمتعين جداً بهذه الفعاليات التي تجسد، وبطريقة حية، الحياة القديمة في المنطقة، وذلك من خلال أخذ الصور والفيديوهات لها من جوالاتهم، وكذلك من خلال أسئلتهم وتعليقاتهم الجميلة والظريفة التي تشعرك وكأنهم يتفرجون على حياة بعيدة جداً عنهم، كانت تعاش أو عيشت في المريخ أو كوكب الزهرة.
هذه النوعية من المهرجانات خلقت فرص عمل كثيرة جداً ومجزية ومربحة في نفس الوقت للسعوديين. فعندما تدخل أحدها فإنك تتعامل مع سعوديين مئة بالمئة، من أصغر بياعة إلى أكبر بياع. منذ أن تدخل المهرجان وأنت تتنقل بين أيدٍ سعودية، وليس هذا، حطًّا من الإخوة المقيمين الذين يخدمون بكل جهد وإخلاص، ولكن هذا أعاد ذاكرتي عندما كنت صغيرا، وأخرج مع والدي إلى سوق مدينة بريدة ولا أرى حولي في السوق إلا سعوديين، وحتى خياطي الملابس منهم والحلاقين وصانعي الأحذية والحمالين، وعمال البناء، وكلهم من أهل المدينة الذين نعرفهم ويعرفوننا أو من ضواحيها. الحمدلله بأنني أخيرا شاهدت واستمتعت بما كنت أشاهده عندما كنت صغيرا، وشاركتني بالاستمتاع به، ليس فقط ابنتي عروبة، ولكن أيضا حفيدتي مايا، وهي تمشي مترنحة في المهرجان أو تحمل على الأيادي.
الفرص الاستثمارية كبيرة جداً في هذه المهرجانات للأسر السعودية المنتجة، حيث لا تجد فقط الأطعمة والمشروبات الشعبية تباع فيها، بل حتى التحف الفنية الجميلة التي أبدعتها أنامل نساء وبنات هذه الأسر من مزهريات ومطرزات وجلديات ومنحوتات ذات طابع محلي شعبي. تفتخر جداً وأنت تشتري وتتجاذب أطراف الحديث مع البائعات، يذكرني ذلك في سوق قبة رشيد القديمة في مدينة بريدة، حيث كان معظم من يبيع في محلاته نساء. لقد زار الرحالة الفرنسي بيلجريف، بريدة قبل حوالي مئة وخمسين سنة، وذكر أن نصف من يبيع في السوق العام للمدينة هن نساء، وحوالي مئة بالمئة ممن يبيع في سوق الخضار والفواكه هن نساء.
أي بأن ما يحدث في المهرجانات هذه ليس غريبا أو دخيلا علينا، حيث استعادت فتيات اليوم ونساؤه ما كانت جداتهن وجدات جداتهن يزاولنه في عملية البيع والشراء والإنتاج بشكل عام، ولو بشكل موقت، ولكن القادم بإذن الله أدوم. معظم زوار هذه المهرجانات هم من النساء والبنات والأولاد، وتشعر بأنهم يستمتعون بذلك أكثر من غيرهم. أسعار السلع التي تباع في المهرجانات معتدلة ومقبولة جداً، حتى إنك تتعجب كيف يربحون؟ أمانة بريدة وبلدية عنيزة وفرتا - مشكورتين - أماكن بيع للأسر المنتجة في المهرجانين، وقد علمت بأن أحد البنوك المحلية قامت بدفع إيجار جميع محلات الأسر المنتجة، وقدمتها مجانا للأسر المنتجة، وهذا ليس بكثير، كنوع من الخدمة الاجتماعية للبنوك المحلية، وننتظر المزيد من البنوك المحلية، في دعم مثل هذه المهرجانات والفعاليات الشعبية المحلية.
بالرغم من عدد الزائرات والزوار الكثيف جداً لهذه المهرجانات إلا أن الحركة فيها طبيعية وانسيابية، حيث ليس هنالك أي قلق أو توترات في حركة الناس، لشبه غياب مراقبة حركتهم وعدم وجود تنظيم الفصل العنصري الأخرق المفتعل. أماكن وأركان المهرجانات صممت بطريقة احترافية ومهنية متمكنة، والممرات وساحات الراحة فيها، كذلك صممت بطريقة جعلت الحركة فيها مريحة وغير مكتظة برغم كثافة الزوار. لا تشاهد وأنت تتحرك داخل هذه المهرجانات أي قطاعات أمنية سوى سيارات الدفاع المدني والإسعافات، وهذا ما يجعل الناس يطمئنون للحرص والاهتمام بسلامتهم.
في بداية الأسبوع الثاني من الإجازة أتتني دعوة من صديقي العزيز المخرج المسرحي صالح العلياني، لحضور مسرحيته "وادي حفنوش" التي كانت تعرض في مركز الملك فهد الثقافي في الرياض. ذهبت من القصيم إلى الرياض واستمتعت جداً بحضور المسرحية، والتي هي جزء من الفعاليات الترويحية لأمانة مدينة الرياض. وكانت هنالك منصة خاصة لجلوس النساء والفتيات للاستمتاع بالعرض المسرحي مثلهن مثل الرجال والأولاد. سعدت كثيراً بذلك، وتمنيت بأن يوجد في الرياض مهرجان شعبي كما في القصيم، وكذلك عروض مسرحية في القصيم كما في الرياض، لتكتمل فرحة المواطنين في كلتا المنطقتين وتغنيهم عن البحث عن المتعة خارج السعودية.
ما أبهرني جداً في مهرجاني الغضا في عنيزة وعسيلان في بريدة وجود فرق إنشادية محترفة للأولاد والبنات، وكذلك لأولاد وبنات معاً يصدحون كالبلابل عبر مكبرات الصوت، بأصواتهم الجميلة الجذابة الملحنة بكل مهنية واحترافية ورقصاتهم البريئة التي تغمر المكان فرجة وبهجة، مما أضاف إلى المهرجانين ميزة إبداعية لا يمكن إلا وأن تبهرك، إن كنت تحمل بين أضلاعك مكونات الحس الإنساني السليم. ولقد تضايقت جداً لخروج بعض الأصوات التي ترى أن إنشاد الأطفال ورقصهم البريء نوع من الإثارة الجنسية وللأسف الشديد! مما يجعلك تدعو لهم بالشفاء العاجل من هذه الوساوس المربكة لهم ولمن حولهم، ويعيدهم بسلام إلى إنسانيتهم وفطرتهم السوية.
في الختام، شكراً لأمير القصيم، صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز - حفظه الله -، ولنائبه المخلص صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن مشعل بن سعود، اللذين جعلا من القصيم أكثر بهجة وإنسانية وجذباً لأهل القصيم من داخلها وخارجها، وسدد الله خطاهما.