في تقديري يمكن اعتباره أحد أهم الأكاديميين الذين ساهموا- بشكل مستمر في العقد الأخير- في الصحافة السعودية، بعمق معرفي وجدل علمي نزيه وطرح ينأى بعيدا عن التشنج وفجاجة الرؤية واضطرابها التي تفضي بالضرورة إلى الوقوع في تناقضات وأحيانا أخطاء معلوماتية فادحة على نحو ما نسب أحد الزملاء الأكاديميين نظرية النشوء والتطور الدارونية إلى فرويد!.

مساهمة المزيني تكاد تذكر بمبدع (اسم الوردة) الإيطالي الشهير إمبرتو إيكو أستاذ علم الجمال والسيمولوجيا (علم الإشارات) في إحدى جامعات إيطاليا وهو يقول لصحفي من (ماغازين ليتيرير) حين ساءله عن نشاط له قائم بذاته خارج الجامعة فقال: ".. إنه الجانب المناضل فيَ. فعلاقاتي بجويس والطليعة خالية من الطابع الأكاديمي. بعد 1955 كنا نحرر مجلة". وذكر أسماء كتاب وباحثين وصحفيين طليان. لكن كان اللافت، أن تأملاته في التواصل مع الجماهير جعلته كما يقول يعتبر العمل الثقافي في مجال وسائل الاتصال مع الجماهير العريضة عملا أساسيا. يضيف "لكني لم أشعر قط بأني أقوم بعملين مختلفين. فقد كانا مصراعين لباب واحد".

كان يساهم بشكل منتظم في أسبوعية الإسبريسو الإيطالية، ويصف هذا الالتزام الأسبوعي باتخاذ موقف ما جدّ مشجع. كانت تجربة لأفكار تسمح برؤية كيف تشتغل المفاهيم. إلى حد ما وبما هو مطابق لمناخنا الثقافي محليا يمكن اعتبار تجربة المزيني مشابهة لتجربة ايكو، وإن كان المزيني يستجيب أحيانا لمستويات خطاب انفعالية لها ما يبررها استنادا للطقس والمساحة التي ينطلق منها وهو يجابه الخطاب المضاد.

هذا الخطاب الذي كان يمكن لو توافر على عدم تجريم وابتعد عن الإدانة والاستقصاد والاستعداء واللغة ذات النفس التحريضي الشتائمي أن يفرز اتجاها معرفيا يثري ( المفاهيم) ويولد جدلا علميا حول اختلاف أفكار، يفضي إلى منازلات أكاديمية حقيقية، تعكس إيجابية الحراك الثقافي، وتخرجنا من دائرة ( جدل بيزنطة) والاحتراب المتصف بروح الكراهية والذي لا يخلف إلا احتقانا ويسمم المناخ الثقافي، ويلغي فكرة تحليل التواصل، بما يخلي المجال تماما للمؤدلجين والانتهازيين وبعض الأفاقين الذين يفرضون حضورهم بتوجيه النقاش نحو مسارات التسطيح والإثارة الحمقاء والتهييج وتكريس البلبلة والغوغائية ليس إلا.

وإذا كان ايكو يرى أن ( النص آلة كسولة يجب أن تستعيد نشاطها بفعل القارئ)، فثم ّ من يرى أن مقالات المزيني في مجملها هي بالفعل كذلك، تحتاج إلى قارئ يشتغل على إعمال عقله، وتحرره من كل الأفكار الجاهزة التي تروج عن الرجل الطيب القلب، الوديع في سمته والهادئ حد المحبة في كلامه الذي يأتي محمولا عبر نبرات صوت (سبرانو) أبراه ورققه نعناع المدينة المنورة على ساكنها وآله أزكى السلام.

هل هناك أقلام أكاديمية أخرى تتماهى مع المزيني؟ بالتأكيد نعم، ولعلي أتناولها لاحقا فيما تبقى لنا من وقت.