كلما رغبت في الحديث عن العظماء والبارزين والفاعلين والمؤثرين سواء في الماضي أو الحاضر، تتوه الكلمات وتضيع ثم أفقِد كامل القدرة على التعبير، أرى أن العظماء لهم إرث وأثر وإسهامات أكبر من الكلمات وأجل وأعظم من الوصف، هنالك شخصيات تجعل المرء يحتار كيف يبدأ الحديث عنها ثم كيف سينهيه، وسيتساءل في الأخير: هل العبارات الواردة في الحديث من البداية إلى النهاية قد وفته حقه؟

فكيف والحديث عن (عبدالله بن عبدالعزيز)؟!، ثم كيف والحديث بدأ بعد أن وارى جثمان هذا الملك الثرى؟!، إنه همٌ على هم، ولا عزاء في مثل هذه الأوقات إلا أن أبناء "الموُحِد" وأحفاده كلهم متشابهون في الخير والصلاح، يحملون ذات الطبائع البسيطة والعفوية والقريبة من الجميع، لا يعرفون التصنع إنما التواضع فيهم طبع أصيل، لا عزاء عند فقد الوالد الحاني إلا أن أبناء "المُوحِد" وأحفاده سواسية في طيبة الملامح والطباع، سواسية في الحرص على وحدة هذا الوطن وتماسكه، فغفر الله لميتهم وسدد خطى الأحياء منهم وأمدهم بالصحة والعافية.

إن (الملك عبدالله بن عبدالعزيز) –رحمه الله- لم يكن قائداً وحاكماً فقط، لم يكن ملِكاً تحيط به الأبهة والفخامة والرسميات، إنما كان إنساناً متواضعا تواضعاً يشعر به القريب والبعيد، شخصية أحبها الجميع وأحبت الجميع، شخصية تحملت الجميع وتفهمت الجميع، لم يره المواطن السعودي يوماً إلا وهو مبتسم عطوف متحامل على نفسه لأجل المواطن والوطن، لم يُر – رحمه الله- إلا نافِضاً عن كاهليه تعب السنين في سبيل راحة المواطن وتحسس همومه وحاجاته، لقد كان المواطن عنده أولاً وكل ما عدا المواطن ثانياً حتى راحته –غفر الله له-!

ماذا يسرد المرء أكثر وماذا يقول؟! والوصف دائماً لا يفي هذا الملك حقه، يكفيه ما ترك من أثر أنه أخذ بهذا الوطن إلى بر الأمان في وقت هو من أصعب الأوقات التي تمر على الأمة الإسلامية والعربية، تخطت السفينة بفضل الله ثم بفضل سياساته الرشيدة كل الأمواج المتلاطمات لتصل إلى مرساها دون أن يمسسها سوء، التف حوله الشعب واحتواهم هو بمحبته لتتشكل على أثر هذا التلاحم حواجز وقفت منيعة ضد كل الأطماع، وسدوداً أوقفت كل حاسِد حاقِد عند حده.

ومن أعظم مآثره مشروع "الابتعاث" الذي تم في عهده، هذا المشروع يضعنا أمام حقيقة جليِّة أنه –رحمه الله- كان يُؤمِن عن قناعة بأن الاستثمار الأنجح والأمثل هو الاستثمار في المواطن، لهذا ومنذ أشهره الأولى في تولي الحكم سارع إلى إطلاق "برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث الخارجي" إيماناً بأنه لا طريق آخر لتقدم الأمم إلا بالعلم والاستقاء من كل الثقافات، هذا المشروع الخيِّر كالصدقة الجارية التي سيستمر ثوابها كلما قطف الوطن ثمارها الغنية.

كذلك مراكز الحوار الوطني والحوار بين الأديان، التي أطلقها (الملك عبدالله بن عبدالعزيز) في عهده، توضح أنه –رحمه الله- كان يؤمن بالحوار والحوار فقط كوسيلة للنهوض والارتقاء بالأمم، لقد سعى جاهداً أن يُقيم تواصلاً بين مختلف الثقافات في الداخل والخارج لأنه لا نجاح لأمة لا تعرف كيف تستثمر في المشتركات الإنسانية.

هذا بعضٌ من كثير، ولا مجال للإلمام بكل مآثر الملك الإنسان (عبدالله بن عبدالعزيز)، لا مقال قادر على احتواء صفات هذا الإنسان، بساطته وعفويته كانت دوماً ترافق وعيه السياسي والأمني والإداري، وفوق هذا وذاك كان يملك رؤية وفِكرا، كل هذا لن يسعه مقال ولا حتى كِتاب، وإن شخصه أكبر من الكلمات، وإسهاماته ومآثره يشهد بها تراب الوطن، ويشهد له الحرمان الشريفان، وجموع المواطنين.

فاللهم ارحم عبدك (عبدالله بن عبدالعزيز) الإنسان البسيط المتواضع ليِّن الجانب، الإنسان الذي أودعت فيه هذه الصفات فأكسبته شرفاً ورفعة ومحبة في قلوب الخلق، ارحمه يا الله فإنه لم يظهر على مواطنيه يوماً إلا صافي الفؤاد واسع البال بشوش الوجه. اللهم إن كان لي عند عبدك (عبدالله بن عبدالعزيز) حق فاشهد أني قد عفوت عنه وسامحته به.