كم هو موجع ألم الفقد الأبوي والشعور باليُتم الذي فُجعنا به بفقد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز-رحمه الله-، إذ فقدنا أبا عظيما حانيا، وزعيما استثنائيا شهما يتمتع بأصالة أخلاق الإنسان العربي المسلم والفارس الشجاع، ولا عزاء لنا اليوم في رحيله -رحمه الله- سوى استكمال ملحمة الولاء بين المواطن والوطن بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله.

لقد رحل عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، إلى جوار رب كريم، بعد مسيرة عشر سنوات تعدّ قصيرة في مسيرة الأوطان وتطورها، لكنها حين تكون ثرية بما يكفي فإن بُعدها الكيفي يفوق بُعدها الكمّي.

رسم فقيد الأمة عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- مسيرة وطن بنى لَبناتها بالصدق، والإخلاص، والرؤية الثاقبة، والإنسانية العالية، في عشر سنوات قضيناها معه ضمن آفاقه الرحبة، فكانت السنوات العشر الماضية بالنسبة لجيلين على الأقل في هذا الوطن، هي من أهم سنوات العمر وأثراها وأكثرها تعميقا لمفهوم الذات والمجتمع والوطن في مواجهة العالم.

إن التغيرات التنموية، الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، المتسارعة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، كانت وثبة حضارية شاملة، في شتى المجالات، أرسى فيها دعائم صلبة لمستقبل رآه الملك الراحل -رحمه الله- في عيون أبناء هذا الوطن من خلال "أمة" سعودية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا تباعد مخلا في خطاها بين الحاضر والماضي، بل تسير بخطى متوازنة نحو مستقبل واعد مشرق.

تغيرت أشياء كثيرة بالنسبة للمواطن السعودي في السنوات العشر الماضية، من خلال مبادرات إصلاحية ومشروعات حضارية هامة على الجوانب والأصعدة كافة، فلم نتوقع أن يكون لدينا هذا الكم من المشاريع التنموية في ظل ميزانية "تريليونية" بعد أن كانت خزينة الدولة تعاني ارتفاع الدين العام، ومن ذلك أننا لم نكن نتصور أن تصل توسعة الحرمين الشريفين إلى هذا المدى التاريخي الكبير، ولم نتصور أن يكون لدينا 30 جامعة حكومية في مختلف مناطق المملكة، ولم نتصور أن يكون لدينا أكبر مشروع تعليمي عال في العالم ممثلا في برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، ولم نتوقع وجود جامعة خاصة بالبنات تسمى جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، ولم نتصور وجود امرأة سعودية بمرتبة نائب وزير، ولم نتوقع وجود "شقائقنا" في مجلس الشورى، ولم نتوقع إنشاء مدن اقتصادية ورياضية وطبية ضخمة في مناطق عدة من المملكة، ولم نتصور أن تطرح القضايا الحساسة الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة في وسائل الإعلام المحلية ضمن هامش واسع من حرية التعبير، ولم نتوقع أن يتحاور المختلفون طائفيا وفكريا ومذهبيا تحت سقف واحد حمل اسم الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، ولم نتوقع أن يتحاور أتباع الأديان والثقافات تحت سقف واحد في مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا.

لقد استطاع القائد عبدالله بن عبدالعزيز خلال العقد الماضي أن يسهم بقوة في تكريس دور المملكة العربية السعودية في إحلال السلم العالمي والالتزام برعاية استقرار العالم العربي والإسلامي، ولن تحيط هذه المقالة المقتضبة إلا بالقدر اليسير من إنجازاته، رحمه الله.

وسوف تسير المملكة اليوم بإذن الله إلى ما هو أهم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز "حفظه الله".

هو رجل التاريخ السعودي لأنه مرجع مهم في تاريخ الدولة السعودية، وأكثر المدركين لتكوينات المجتمع السعودي وعلاقاته الاجتماعية والتاريخية، كما أن الملك سلمان بن عبدالعزيز يحمل تاريخا مشرقا ومهما كان فيه طوال ستين عاما ركنا أساسا في إدارة شؤون البلاد، وعاصر نشأة الدولة السعودية الثالثة منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز وساند جميع ملوكها من بعده، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، رحمهم الله، وها هو الملك سلمان بن عبدالعزيز يقود المملكة العربية السعودية اليوم بعد أخيه الراحل، رحمه الله، يسانده سمو ولي العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز، وسمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، حفظهما الله، لتستكمل البلاد مسيرتها ودورها الريادي العالمي في هذه المرحلة المهمة.