سُئل عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، وهو "تابعي ثقة": ماذا تقول في موت الأب؟ قال إرث جديد، وماذا تقول في موت الزوج؟ قال زواج جديد، وماذا تقول في موت الأخ؟ قال كسر الجناح، وماذا تقول في موت الابن؟ فأجاب: جرح في الفؤاد لا يندمل أبدا.
في مثل هذا الشهر "يناير" عام 2002 فُجع العاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز بأكبر أبنائه الأمير فهد بن سلمان الذي وافته المنية إثر سكتة قلبية، ولم يكد يمر سوى عام واحد، وبذات الشهر ولم تكن جراح قلبه قد اندملت بعد، حتى تكررت فجيعته بوفاة ابنه الثاني الأمير الفارس أحمد بن سلمان، الذي يُعد أحد أهم صُنّاع الإعلام السعودي.
وبنفس مطمئنة راضية بقضاء الله وقدره، احتسب المليك ولديه الفقيدين النبيلين، وها هو يناير الحالي يحمل فجيعة جديدة بوفاة أخيه الفقيد الكبير الملك عبدالله، نسأل الله الرحمة والمغفرة للجميع.
ولعل نظرات الحزن العميقة التي تُشّع من عيني الملك سلمان كانت مدخلي لمحاولة قراءة الجانب الإنساني من سيرته العطرة الطويلة، فالجميع يعرفون مشواره السياسي الذي بدأ مبكرا قبل بلوغه العشرين من عمره حين تولى إمارة الرياض نيابة عن شقيقه الأمير نايف، بتاريخ 16 مارس 1954م، وبعد نحو عام وتحديدا في 18 أبريل 1955م عُيّن أميرا لمنطقة الرياض وبقي بمنصبه حتى 25 ديسمبر 1960م حين استقال، لكن بعد ثلاثة أعوام وفي فبراير 1963م كلفه الملك سعود مجددا بإمارة الرياض وكأنها قدره، فاستمر نحو نصف قرن حتى ارتبط اسمه بها، وأنجز خلالها عملية "تحول حضاري" من بلدة بسيطة يقطنها نحو ربع مليون، إلى إحدى أسرع العواصم العربية نموا، حيث تحتضن أكثر من خمسة ملايين حاليا.
بالطبع لم تقتصر أعباؤه على النهوض بالعاصمة السعودية، فقد عهد إليه أشقاؤه الراحلون بمهام جسام داخليا وخارجيا، فقد كان عميد الأسرة الحاكمة، حتى وصفته الصحف العربية والدولية بألقاب منها "معلم الأمراء" و"قاضي الأسرة" و"أمير الوفاء" فقبل صدور قرار بتعيينه وزيرا للدفاع والطيران شكره أبناء شقيقه الأمير سلطان ولي العهد الراحل لملازمته والدهم طوال رحلته العلاجية.
هذا الحزن الكامن في عيني المليك الجديد لم يؤثر في مسلكه الحازم، ونهجه الذي يُمسك بالخيط الرفيع بين الاحتواء والحسم، لهذا يتوقع مراقبون للشأن السعودي أن ينحت "مقاربات جديدة" ويدشن "منظومة مبتكرة" في تعاطي الإدارة السياسية السعودية مع الملفات العربية والإقليمية المؤثرة في المملكة، بدءا بالقضايا المُلحّة وفي صدارتها الوضع باليمن، الذي بات يهدد الأمن القومي للمملكة بعد سيطرة الحوثيين الموالين لإيران.
وتسود رؤى وقناعات بين المحللين السياسيين الغربيين بتبني السياسة السعودية أساليب أكثر حسما في إدارة الأزمات التي لا تحاصر السعودية وحدها، بل تشمل المنطقة بأسرها، فالعاهل الراحل كان أكثر مراعاة للظروف والاعتبارات الإنسانية بمعالجاته السياسية لقضايا تمتد من اليمن جنوبا، حتى الشام شمالا، ومن إيران والعراق شرقا، حتى مصر والقضية الفلسطينية غربا، فالمملكة "دولة محورية" إقليميا ودائما تتسم سياساتها الخارجية بالاستقرار بشأن ثوابت أمنها القومي.
ولعل السعودية من الدول القليلة بالمنطقة التي لم تشهد "تحولات راديكالية"، سواء فيما يتعلق بنظام الحكم داخليا، أو بعلاقاتها الخارجية على الصعيدين الإقليمي والدولي، فمعظم جيرانها مروا بمنعطفات حادة، وشهدت بلادهم انقلابات وتحولات جذرية منذ منتصف القرن الماضي، واتجهت جاراتها الكبرى للتحالفات شرقا وغربا إبّان حقبة الحرب الباردة، بينما ظلت سياسة السعودية الخارجية مستقرة بمنهجها المحسوب بعناية، سواء في ارتباطاتها أو هواجسها التي تدور حيث تكون مصلحتها والإقليم برمته، خاصة منظومة مجلس التعاون الخليجي، لكن في ظل التحولات الراهنة، وسقوط عدة دول عربية في مستنقعات الحروب الأهلية والفوضى فهناك تغيرات متوقعة، ليس بالسياسات السعودية لكن في الإدارة السياسية للتحالفات التي تكفل الاستقرار الإقليمي، خاصة مع مصر، ودول مجلس التعاون الخليجي.
الملك سلمان يتمتع بذهنية مرنة، وصفها الخبير بمركز "معهد بروكينجز لسياسة الشرق الأوسط" روس ريدل، بالتزامه بقواعد الحكم الرشيد، ومكافحة الفساد بصرامة، استنادا لشخصيته المُركبة وخبراته المتراكمة التي تتسم بالمهارة والحداثة دون المساس بـ"الكود السعودي" الذي تتوافق عليه شتى القوى الاجتماعية بالمملكة بتنوع مشاربها.