فتح رجل الدورية باب السيارة ومد يده مباشرة تحت المقعد الخلفي واستخرج المخدر، كلا الزوجين في مأزق، لا وقت للتفاوض في هذا الليل إلا على أن يتحمل الشاب مسؤولية وجود المخدر في سيارته مقابل أن يسمحوا لزوجته بالانصراف. أخذوه إلى المركز، وفي المحكمة شهد عليه رجال الدورية، أنكر علمه بالمخدر وأقر بوجوده في سيارته، ولم يتهم أي شخص بتدبير المكيدة، ووجد نفسه محكوما بخمس سنوات، مفصولا من عمله كمعلم في بداية حياته العملية والزوجية.

لم تترك والدته بابا إلا وطرقته لإظهار براءته، من الدوائر في جازان، دون حلول.

تعرّف على سجين يمني جديد دخل السجن بعده بسنة، توثقت العلاقة بينهما، لم تمض فترة طويلة حتى صارحه اليمني أنه مع آخرين وضعوا المخدر في سيارته لأسباب كيدية مقابل أجر مالي، وأعطاه أسماء المتآمرين.

استأنف الحكم، وبدأت والدته في طرق ذات الأبواب، جاءت الأوامر من الرياض بترتيب سفره وتحديد موعد له في مكتب ولي العهد حينذاك "الأمير عبدالله بن عبدالعزيز".

بعد عودته من الرياض دخل عليّ مكتبي في المتابعة الإدارية لإنهاء إجراءات عودته إلى العمل.

شاب مهذب. قليل الكلام. متسامح. أخبرني كيف بادره وليّ العهد قائلا: "أنت مظلوم يا ولدي، ونحن نأسف، ولا يرضينا هذا، والذين ظلموك ستجد خبرهم قبلك إن شاء الله".

قال: وحين انصرفت ناداني: "تعال.. تعال" فرجعت وقفت أمامه، قال لي "يا ولدي أمّك.. أمّك، انتبه لها واحرص على طاعتها، ترى الله استجاب لها ويسر أمرك".

قبل أن يعود إلى عمله مع كامل حقوقه وتعويضه، دخل جميع المتآمرين السجن وعوقب رجال الدورية ونقلوا خارج منطقة جازان.

كان يمكن أن يُطلق سراحه ويعود إلى عمله حسب النظام دون أن يستدعيه ولي العهد إلى مكتبه.

لكن عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وضع لمسته الحازمة كمسؤول تعرض أحد مواطنيه لظلم، ووضع لمسته الحانية كأب تعرض أحد أبنائه للترويع، وشعر عميقا، كمؤمن، بلطف الله في إظهار براءة المعلم فنصحه ببر والدته شكرا لله.

أي رجل كان عبدالله؟!

كان كثيرا وكبيرا ونادرا، مثل ذاك الحب ومثل هذا الحزن.