وحتى لا يثير العنوان بعاليه مجرد الالتباس في تصور خاطئ عن الفكرة فإن المقصود، ومن السطر الثاني مباشرة، هو البحث عن الطريقة أو الآلية التي تصنع بها نسخ متجددة من الدين، أو نماذج مختلفة باسم الدين من ذات الدين. السؤال لا يبحث في البدهية التي تقول: كيف تدعي السلفية مثالاً وأنت تجافي حتى مدلولها اللفظي ودلالتها الزمنية إذا ما كنت ـ السروري ـ الذي تبع منهج شيخه الذي مازال حياً بعد ألف وأربعمئة من إطارك السلفي الذي تنشده وكيف تكون (سنياً) وأنت الإخواني الذي يعود في كل شيء ليستشهد بالقطبية أو البناوية بعد ألف وأربعمئة عام أيضاً من منهاج السنة الذي تدعي الانتماء إليه. السؤال الحقيقي يبحث في الوطأة الكبرى من الحمل الثقيل للمذاهبية والطرائقية والمللية التي نشأت على مدار الزمن الطويل من القرون المتلاحقة حتى أفرزت نسخاً هائلة متباينة ومتناقضة وتصادمية فيما بينها البين ومن الأمانة بمكان أن نقول إن من الخطأ الجسيم الفادح القول إن خلافاتنا البينية وصراعاتنا المذهبية القاتلة وصدامنا الفكري المشين يعود إلى سبب من ـ الدين ـ بل هو في كل الأسباب الأخرى ولوحدها حتمية لكل هذه النسخ التي اخترعناها وابتدعناها من بعد النهاية الزمنية في المنبع الصافي لشروق الرسالة المحمدية حتى نهاية خلافته الراشدة.

الدين الذي أعنيه هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والنسخ المحاذية من صناعة الدين هي كل الأدبيات والطرائق والمشيخية والملل والنحل التي ولدت من بعده طوال التاريخ وحتى اللحظة. خذ مثلاً أن المئة عام الأولى من قرون هذه الرسالة الخالدة لم تشهد تدوين كتاب واحد نختلف عليه اليوم، وفي ذاكرتي لا أظن أن كتاباً أو مخطوطاً يصطبغ بالمرجعية ونقل أنه كتب في تلك الفترة. وربما باستثناء ـ الجهمية ـ لم يشهد القرن الأول ولادة طائفة أو مذهب. وفيما بعد تلك الفترة الخالدة من مسيرة هذا الدين العظيم نسفت كل القرون أبرز ما في هذا الإسلام: لم يكن الإسلام ديانة ثرثرة لفظية على الإطلاق ومن اللافت بمكان أنك تستطيع بيد واحدة فقط حمل كتاب الله الكريم وكتب الصحاح التي دونت أحاديث المصطفى عليه السلام. وبزعمي أن أحداً لم يسأل من قبل ذلك السؤال الملح والخطير في آن: هل كانت هذه الكثافة الهائلة منذ القرن الثاني وحتى اليوم في الأدبيات وتنشئة المذاهب والطرائق وفي التأليف تزايد على أهل الفضل من ذوي القرن الأول الإسلامي لتعتقد أن هؤلاء لم ينقلوا إليهم ثم إلينا من بعد شرحاً وافياً مكتملاً من منبع هذا الدين. وبالطبع أنا أستثني كل من اشتغل بعلم الرجال في تدوين الحديث مثلما أستثني كل من اشتغل بهذا الدين من باب الجهاد إلى الدعوة. أنا أتساءل عن كل الأدبيات الكثيفة التي أحالت هذا الدين إلى فلسفة حركية وإلى تبويب مذهبي وإلى تباينات رؤى فكرية وطرائقية. كل هؤلاء يقولون بالباطن إن أهل القرن الأول من أهل الجهاد الحقيقي والفضل الأزلي قد تركوا مساحات غامضة تستعصي على أن نفهم هذا الدين فهماً صحيحاً ولهذا جاء هؤلاء ليكملوا المهمة. من هنا بالضبط نشأت فكرة صناعة الدين وأنا أعني هنا بلا التباس صناعة نسخ تقابلية من شتى الفهم المختلف عبر الاجتهادات لذات الدين. والمقصود أن هذه الكثافة المفرطة من الأدبيات التي كتبت أو مازالت تكتب حول الدين لم تشتت أتباع الدين إلى ملل ونحل ومذاهب وطرائق متناقضة فحسب، بل فعلت ما هو أدهى لأنها لفتت الناس عن المصدر والمنبع. خذ مثلاً أن البحث العلمي الحديث يشتغل بالقاضي عياض أكثر من استشهاده بمعاذ بن جبل. عن واصل بن عطاء أكثر من ابن عباس. عن كتب سيد قطب أكثر من البحث عن عائشة رضي الله عنها وهي الحميراء التي تكتنز في عقلها نصف هذا الدين تبعاً لبعولتها لسيد الخلق. السواد الأغلب من رسائل الدراسات العليا في جامعات العالم الإسلامي اليوم ترتكز إلى بحث كتب وتحقيق مخطوطات من قرون لاحقة وهذا يلهي تماماً عن متابعة المنبع. ومن وجهة نظري فإن الكثافة المفرطة من حركة التأليف حول الدين لا تخدمه بقدر ما تجرنا إلى اختلافات أنتجت نسخاً مختلفة، كثير منها بل سوادها مشوه حتى وهو يدعي الانتماء للدين. تبرهن هذه الحقائق أن الدين لا يحتمل الخطابة المكثفة ولا يتحمل هذه الكثافة من أدبيات التأليف لأن هذه المنهجية تحيل الدين إلى عراك فلسفي وإلى أفكار تجادلية. نحن اليوم نشتغل ونلهو بما كتب ويكتب حول الدين لا بالدين نفسه. نصنع بهذه الكثافة نسخاً مختلفة من صناعة الدين وكلما زاد تسارع هذه النسخ صار لكل منها كثافته في دائرة النسخة لتصبح النسخة نفسها سيدة الأضواء والتوالد والتكاثر.

خذ أخيراً هذا البرهان من فترة حياتك المعاشة حين أدت ثورة الاتصال وسهولة التأليف وإمكانات حركة النشر وأقنية المعلومات لأن تنتج العقود الثلاثة الأخيرة من أدبيات هذا الدين أضعاف ما كتب في كل القرون التي خلت: هل النسخة التي أنت عليها من الدين شبيهة بتلك التي كانت قبل ثلاثة عقود من الزمن وكم نسخة من الدين أنتجتها هذه الثلاثة العقود الأخيرة فقط؟