لم تمض أكثر من 120 ساعة بعد تولي الملك سلمان -حفظه الله- مقاليد الحكم في البلاد حتى أصدر 30 أمراً ملكياً استقبلها الشعب السعودي بالتفاؤل والأمل والإيمان بأن هذه القرارات من شأنها رفع معدل النمو والتطوير والإصلاح في كل المجالات. نستطيع أن نصف القرارات بأنها إعادة هيكلة للحكومة السعودية وفق رؤية الملك سلمان الإدارية التي تشهد لها بالنجاح سابقاً العاصمة الرياض حين كان يتولى إمارتها.
في هذا المقال سأتحدث عن الأمر الملكي بدمج وزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم في وزارة واحدة تحت مسمى وزارة التعليم، ويقودها الدكتور المهندس عزام الدخيل المهتم بشأن تطوير التعليم. وقد أصدر أكثر من كتاب في مجال التعليم، وهو على اطلاع واسع على أنظمة التعليم في مختلف البلدان المتطورة تعليميا، ومن أهم التحديات التي أتمنى من وزارة التعليم أن تلتفت إليها وتراعيها في خططها وخطواتها نحو الدمج؛ مواءمة مخرجات التعليم الأساسي مع التعليم العالي بما يخدم سوق العمل ويحد من خريجي الشهادات الجامعية والدراسات العليا العاطلين عن العمل. حتى الآن هناك فجوة كبيرة بين التعليم الأساسي والتعليم العالي ومتطلبات سوق العمل، رغم الكثير من المشاكل التي ترتبت على ذلك وأبرزها مشكلة بطالة خريجي الجامعات، إلا أنه حتى الآن لا توجد آلية حقيقية للحد من ذلك، وأعتقد أن دمج الوزارتين فرصة سانحة للإصلاح وسد هذه الثغرة في التعليم السعودي، وذلك من خلال إيجاد بيئة تعليمية تكتشف مهارات الطالب مبكراً، وتوجهه نحو التخصص الملائم له وفق رغبته وتطويرها في مراحل التعليم الأساسي، ومن ثم يتم صقل موهبته في التعليم الجامعي حتى تخرج لسوق العمل كفاءات بوسعها أن تغير مفهوم العمل التقليدي إلى العمل الإبداعي والتطويري، حينها يمكننا أن نقول إن لدينا تعليما مختلفا ومتميزا ينافس البلدان التي سبقتنا في ذلك.
كانت مواءمة مخرجات التعليم في زمن الوزارتين المنفصلتين التعليم العالي والتربية والتعليم معقدة، وتخضع لحواجز بيروقراطية تجهض كل المحاولات التي تطمح إلى ذلك، ولكن الآن وفي ظل دمج الوزارتين تحت قيادة واحدة أصبح الأمر أسهل بكثير ويتوقف فقط على محاولات وزارة التعليم الجادة لخلق هذه البيئة وتسهيل الطريق أمام هذه الفرصة.
في بحث قدمه الدكتور منير العتيبي الأستاذ الأكاديمي بجامعة الملك سعود سماه "تحليل ملاءمة مخرجات التعليم العالي لاحتياجات سوق العمل السعودي" خلص البحث إلى أن 75% من الطلاب يلتحقون بتخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي لا يحتاجها سوق العمل الحالي أو تفيض بكثير عن حاجته القليلة لهذه التخصصات.
وفي اعتقادي الشخصي أن مشكلة ارتفاع نسبة خريجي التعليم العالي في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي لم يعد سوق العمل المتغير في حاجة كبيرة لها؛ تعود في الأساس إلى التعليم الأساسي واشتراطات القبول الجامعي بعد تخرج الطالب من الثانوية العامة، وكمثال تجد أحد الطلاب متميزا جداً في مادة الكيمياء ويحبها وهي مادته الأثيرة ويحصد الدرجات العالية فيها بينما تجد مستواه في باقي المواد أقل بكثير، وحينما يتخرج من الثانوية العامة وبعد اصطدامه باشتراطات القبول في الجامعات التي لا تراعي موهبته وتميزه في مادة الكيمياء يضطر للقبول بخيارات أخرى لا يرغب بها! هرباً من فكرة عدم إكمال التعليم العالي، ومن ثم يتخرج من الجامعة إلى سوق العمل لنجد أنفسنا أمام كفاءة متدنية كانت ستكون قوية للغاية لو منحناها شغفها.
التعليم في عهد الملك سلمان -حفظه الله- سيكون مختلفا بإذن الله، ومن قرارته الملكية نستشف تذليل العقبات أمام محاولات تطوير التعليم، ودمج الوزارتين فرصة سانحة لسد الثغرات ما بين التعليم الأساسي والتعليم العالي، ويبقى الأهم مواءمة مخرجات التعليم بشكل كامل مع سوق العمل، وهذا يتطلب الكثير من العمل ما بين وزارات التعليم والعمل والخدمة المدنية وبين رجال الأعمال الذين هم أساس سوق العمل السعودية، ويتطلب الكثير من التنسيق والمفاهمة بل وحتى إيجاد فريق عمل مشترك، وتكون أهم أهداف هذا الفريق ربط مخرجات التعليم مع سوق العمل حتى لا نجد طلاباً يقضون أعمارهم في تعليم لا يخدم مستقبلهم الوظيفي، بل في تعليم يهيئهم لفرص وظيفية واعدة تنتظرهم وفق رغباتهم وميولهم ونقاط قوتهم.
التعليم لن يكون ذا معنى ما لم نؤمن أنه ليس له مرحلة معينة، الإنسان لن يتطور ما لم يكن في حالة تعليم مستمر، ولذلك علينا أن نكرس تعليمنا وفقاً لما يحبه الطالب الذي أتمنى له أن يقضي أكثر عمره في مهنة يحبها ويستمتع بها، ونطور مهاراته وقدراته ونقاط قوته في التعليم الأساسي ومن ثم نوجهها للتعليم الجامعي لصقلها، ونزرع بداخل الطالب إرادة التعليم الذاتي المستمر حتى ما بعد الالتحاق بسوق العمل، ولكن قبل ذلك يجب علينا أن نمهد الطريق تماماً للانتقال من التعليم التقليدي -الذي يحدث الآن- إلى التعليم المتطور الذي يكتشف ويراعي مبكراً ميول الطالب وموهبته.