على الرغم من مرور قرابة ربع قرن من بدء الحرب العالمية على الإرهاب بعد سقوط الحرب الباردة مباشرة، واعتبار هزيمته مسألة كونية، بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 بالولايات المتحدة، فإن الملاحظ أن هذه الحرب لم تتمكن من إضعاف المجموعات الإرهابية، فضلا عن إلحاق الهزيمة بها.
ومع التسليم بأن هزيمة الإرهاب هي مسألة أخلاقية وذات علاقة مباشرة بالأمن والسلام العالميين، وأيضا بضمان استمرارية منظومة العلاقات الدولية على أسس متكافئة، فإن ما يهم في هذه القراءة هو نتائج استفحال هذه الظاهرة على الأمن والاستقرار في منطقتنا العربية، وتهديدها للكيانات الوطنية، وتأثيراتها السلبية على الهوية الجامعة ومنظومة القيم التي استمدت المجتمعات العربية والإسلامية منها حضورها في التاريخ المعاصر.
خلال الأسبوع الأخير كانت منطقتنا العربية مسرحا لعمليات إرهابية غير مسبوقة، وبشكل خاص من تلك العمليات ما شهدته مصر الشقيقة من تفجيرات بشبه جزيرة سيناء، ذهب ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى. عمليات أخرى مشابهة تحدث يوميا في العراق وسورية وليبيا، وليس هناك ما ينبئ بقرب اجتثاث هذه الظاهرة في وطننا العربي بالمدى المنظور.
قبل أكثر من ستة أشهر أعلنت الولايات المتحدة مجددا حربا على الإرهاب في سورية والعراق، وشاركت في هذه الحرب دول من المنطقة وخارجها. حققت هذه الحرب نجاحات في بعض المناطق، لكنها لم تمنع انتشار داعش وأخواتها في مناطق أخرى.
معنى ذلك أن الحرب على الإرهاب إن بقيت انتقائية ومحدودة في مناطق معينة، فلن يكتب لها تحقيق هدفها الأساس من اجتثاث الإرهاب من جذوره. فظاهرة الاستقرار والتمسك بالأرض ليست من طبيعة استراتيجيات الإرهاب وخططه، وما حدث في السنتين الأخيرتين من محاولة داعش إقامة ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، هو أمر دخيل على فكر الإرهاب ولا يتسق مع تاريخه الطويل.
إن استراتيجية التمسك بالأرض هي مرحلة متقدمة في خطط حروب العصابات، وتتحقق عندما تنهار الدولة التي تشكل هدفا رئيسيا بمشروع الإرهاب. وذلك ما تفصح عنه بالدقة الدراسة التي أصدرها تنظيم داعش تحت عنوان "إدارة التوحش" بقلم "أبو بكر ناجي" الذي صدر مؤخرا عن دار التمرد السورية بالمناطق التي يسيطر عليها التنظيم من بلاد الشام.
فهذه الدراسة تنصح من تطلق عليهم بالمجاهدين بألا يتمسكوا بأي أرض ما لم يكن بمقدورهم تحقيق ذلك. وأن الهدف هو استنزاف الخصم ماديا وبشريا وإضعافه، والخصم من وجهة نظرهم هو الحكومات والدول التي يصنفونها جميعا بالمرتدة عن الإسلام.
قراءة تجربة محاربة الإرهاب في ربع القرن المنصرم تشي بضرورة تلازم الحرب بقضايا أخرى ملحة لا تقل وجاهة وأهمية عن المواجهة بالسلاح. أولى ما تقدمه التجربة هي أهمية محاصرة خلايا الإرهاب في كل مكان ومنعها من إيجاد أي ملاذ آمن لها. ذلك يعني شمولية الحرب واعتبار التصدي للإرهاب مواجهة وطنية كبرى في بعدها المحلي، ومواجهة أممية في البعد العالمي والإنساني.
على المستوى العربي فإن شرط هزيمة الإرهاب هو تجاوز كل الخلافات بين القيادات العربية، واستعادة روح التضامن العربي، واعتبار المواجهة معركة مصيرية تصل إلى مستوى أن نكون أو لا نكون. وفي هذا السياق، فإن هناك أربعة مراكز رئيسية، هي العراق وسورية واليمن وليبيا. والجامع المشترك بين هذه البلدان الآن هو ضعف الإدارة المركزية لأسباب معروفة.
في العراق على سبيل المثال، يمكن القول إن ضعف الدولة هو من نتائج تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق، ومصادرة العراق كيانا وهوية وسقوط الدولة الوطنية المعاصرة، وقيام بديل عنها يستند إلى القسمة بين الطوائف والأقليات.
وفي سورية استبدلت القوى المدنية المعارضة للحكومة بمجموعات إرهابية انشغلت بالصراع فيما بينها على السلطة، وفي ظل انتشار العمليات المسلحة تراجعت سلطة الدولة على كثير من المناطق، ومن حسن طالع المجموعات الإرهابية هو بعد المناطق التي سيطرت عليها عن المركز واتساع الرقعة البرية التي تربط بين سورية والعراق، وخلوها من الكثافة السكانية، فكان أن استثمرت نقطة الضعف هذه لتقيم عليها ما عرف بالدولة الإسلامية.
في ليبيا انطلق ما عرف بالربيع العربي بشكل مفاجئ، وسقطت سلطة الرئيس القذافي بفعل المساندة الجوية من قبل الغرب للثوار، الذين لم يتمكنوا من بناء مؤسساتهم حتى هذه اللحظة، وحين تسلم الثوار الحكم تكشفت جملة التناقضات التي تحكم العلاقة فيما بينهم، في ظل تكدس مهول للسلاح، وبدا أن التيارات الجهادية الإسلامية هي الأكثر تغولا وتأثيرا فيما حدث. فكانت نتيجة ذلك هو تسلم تنظيم القاعدة وأخواته مقاليد الأمور في عدد من المحافظات، وضعف الدولة المركزية واستمرار الفوضى في هذه البلاد حتى يومنا هذا، ولتصبح ليبيا من أهم ملاجئ الإرهاب النموذجية بالبلدان العربية.
في اليمن بقيت هذه البلاد بتشكيلاتها الاجتماعية التي مضت عليها عدة قرون، ولم تفلح محاولات نقل البلاد إلى العصر الحديث، بسبب التكوين القبلي والعشائري العصي على التغيير، وكان أهم قانون يحكم هذه الهيكلية هو الانتقال السريع في الولاءات. فحليف اليوم يمكن أن يكون خصما في الغد. فعلى سبيل المثال حارب الرئيس اليمني علي عبدالله الصالح الحوثيين سنين طويلة، لكنه بعد أن أجبر على مغادرة الحكم، إثر التسوية التي قادتها المملكة، لم يتردد عن التحالف مع خصوم الأمس، وناصر مؤيدوه الحراك الأخير الذي قام به الحوثيون، وقد أتاحت هذه الصراعات للتنظيمات الإرهابية، فسحة لالتقاط أنفاسها والتوسع في مناطق أخرى من أرض اليمن.
والخلاصة أننا أمام عناصر أساسية لازمة لانتصار الدولة الوطنية، هي استعادة روح التضامن العربي، وتجاوز الانتقائية في الحرب على الإرهاب، وتشكيل جبهة عربية متينة لمقاومته. ويبقى عنصر المواجهة الفكرية لهذه المجموعات للتناول في حديث قادم بإذن الله.