في جيزان ترد لفظة "صَبَح" بمعنى دمّر أو أهلك، وصَبَح فلانٌ الزرعَ أي عاث فيه خرابا وتدميرا، والنساء في الأحزان يقلن "وا صباحي" أي وا هلاكي.
كان النساء في جيزان، وما زلن، يجتمعن في بيت ذات المصاب منهن حين تخرج الجنازة من البيت، وتقوم إحدى قريبات الميت بندبه، وتعداد مآثره بصوت مفجوع وبجمل منغّمة على وزن "مستفعلن فاعلن" غالبا.
ذلك أن الانفعال العميق يستعين بالموسيقى في ضبطه وإبرازه والسيطرة عليه. ونسمي هذا في جهتنا "رحيلا"، لأنه يرافق خروج الجنازة من البيت في رحلتها الأخيرة.
هناك من يحزن على عبدالله بن عبدالعزيز كزعيم، ومن يحزن عليه كملك خدم وطنه ومواطنيه بمشاريع عملاقة، لكن هناك من يحزن عليه حزنا شخصيا كوجه حبيب، وكأحد أفراد الأسرة، ويشعر كل منهم أن له علاقته الشخصية به - رحمه الله - كملك وأب وأخ وقريب مقرّب. وهؤلاء لا يعرفون معنى التزلف أو الحزن المزيّف، مشاعرهم نقية لا ينتفعون بها ولا يدخلون بها أسواق المصالح.
تداول المواطنون في جيزان مقطعا صوتيا لسيدة جيزانية ترثي الملك عبدالله، تطلب من الذين يحملون نعشه أن يمشوا به رويدا، تقول:
"يا شايلين عبالله تمشوا به الرويدا، ترونه ما به رضا
الشعب يبكي عليه، وعيني تهل عليه لو ما جادنْ فتعمى،
وقلبي يحن اليه حنين العيس للماء"
وتلتفت السيدة لبعض مناقبه - رحمه الله - ومنها رعايته الأبوية للمواطنين رجالا ونساء، وشجاعته، وأنه ملاذ المظلومين الخائفين، ومجير المستجيرين به حتى يبلغهم مأمنهم، تقول:
"يا بو الذكر والأنثى، وبو سباع الخلا
ويا منجي الخايف حتى بكان ما يشا (مكان ما يريد)
بك المجالس تحلا، وبك تزين وتبهى".
ثم تختم السيدة "رحيلها" بصرخة مؤلمة تعبر عن مصيبتها الكبيرة وحزنها الشخصي على فقيد عظيم، وكأن جدارا كانت تحتمي به زال عنها وتركها "تمشي بأجرد ضاح" مكشوفة لنوائب الزمن، تقول:
"صباحي، وا عبدالله
انت علينا حجا
وجال عنا الحجا.. جال عنا وا عرى".
صحيح، جنازة عبدالله خرجت من كل بيت.
أي رجل عظيم كان؟! وأي حب هذا الحب؟!