تؤكد الدكتورة سهام حرب في دراسة أكاديمية أعدتها قبل سنوات أن ما نقدمه للطفل في سني تدرج نموه الأولي مؤثر إلى حد بعيد في وعيه وثقافته، ولعل القصة وفق معايير الجودة التي تشترطها في كتابها المعنون "نحو معايير جودة لأدب الأطفال في لبنان والعالم العربي" هي أهم ما يمكن تقديمه للطفل في جانب تنمية الأفكار والقدرة على التعايش مع المدرك وتحليله.
إن تعلمية القص أو منهجية الكتابة للأطفال لمما ينبغي العناية به والعمل على التكريس له في المراحل العلمية المتقدمة خاصة، وقصص الأطفال اليوم لا تجد جمهورها كما كان الأمر في السابق بحكم ولوع الصغار بما أنتجته آلة التقانة من مخرجات عطلت القدرات التخيلية ورمت بعوالم الدهشة والانجذاب التي كان القص يعتمد عليها في هاوية سحيقة.
إن من المعايير التي تؤكد عليها الدراسة في النسيج القصصي الموجه للطفل الحرص نوعا وكما على السرد لما فيه من حركة وفاعلية في نقل الأحداث، وتحاشي الإفراط في الوصف الذي يجمد الحركة، ناهيك عن الحوار الذي يعمل على تحريك كوامن الشخصيات وبعث ما تضمره من نوايا، واستخراج ما تكنه من أفكار داعمة لسيرورة الحكاية، على أن يبني الكاتب قصته على الارتباط بالواقع بحيث يحرص على أن تحمل ميزات هذا الواقع فتتلون بلونه المحلي المألوف.
إن الحاجة ملحة إلى إعادة أطفالنا إلى المطالعة وجعلها حاجة في حياتهم لا يستغنى عنها مهما انبثقت الآفاق عن مبهرات العصر ومدهشاته، نحن بالفعل في حاجة إلى توفير الأطر والإجراءات البشرية والمادية الكفيلة بإنتاج مواد قرائية ملائمة نضعها بين أيدي أطفالنا وأنفسنا مرتاحة إلى أنها تنافس المعطى التقني بل وتضيف إليهم على صعيد الوعي والسلوك القويم.
إن على دور النشر أن تبذل جهودا ملموسة – ولتتغافل عن مسألة الربحية - إذ هي شريك للمؤسسة التعليمية الممنهجة في رعاية النشء، ولعل الملاحظ لبعض دور النشر المنتجة لكتب الأطفال يرى بأم العين ذلك التردي على أكثر من مستوى، فيما يقدم سواء المادة المكتوبة ومقاربتها لمعايير الجودة، أو الرموز والرسومات والإخراج الفني ومدى مقاربته لروح الاكتشاف والتشويق التي يحبها الطفل ويتمتع بها.