مَضَى شِرَاعي بِمَا لا تَشتهِي رِيحِي

وفَاتَنِي الفِجْرُ إذْ طالَتْ تَرَاوِيحِي

مُزمَّلٌ فِي ثِيَابِ النُّورِ مُنْتَبِذٌ

تِلْقَاءَ مَكَّةَ أَتْلُو آيَةَ الرُّوحِ

مَا جَرَّدَتْ مُقلتاهَا غير سيفِ دَمِي

ومَا عَلَى ثغرِهَا إلاَّ تَبَارِيحِي

فَأَيّ قَولَيَّ أَحْلَى عندَ سيِّدَتِي

مَا قلتُ للنَّخلِ أَمْ مَا قُلْتُ للشِّيحِ؟!

محمد الثبيتي

أثار الدكتور فهد اليحيا قضية سحب دكتوراه سعيد السريحي قبل عدة أسابيع في "تويتر" تزامنا مع تعيين وزير للتعليم جديد، ولعل في هذا خير لهما فيرفع الله بالوزير الجديد ظلما ويعيد للدكتور سعيد حقه الذي طال حرمانه منه.

ولكي ندرك القضية، خاصة الشباب الذين لم يعوا تلك المرحلة زمنيا أو من عاصرها ولم يسمع بما حدث وقد يكون سمع ولم يدرك الوقائع، فلا بد أن نعود إلى التفاصيل قبل ثلاثة عقود وربما أكثر التي ارتبطت بصراعات ثقافية وسياقات تاريخية معتادة.

أولا: قضية صراع القديم والحديث قضية تاريخية، فهناك دائما سائد مألوف يأتي الجديد فيتصارع معه، ويتعصب أقوام للقديم وتكون أصواتهم هي الغالبة والعالية لأنهم الأكثر، ثم شيئا فشيئا يكثر هذا الحديث ويحسن ويفرض جماله ويثير في النفوس ما أثاره شعر المحدثين في نفس محمد بن سلام الجمحي حين قال: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى هممت أن أرويه!

وربما كانت هذه العبارة من أصدق العبارات في وصف الصراع بين السائد القديم وتيارات التجديد.

مع مطلع عصر النهضة، ظهر صراع بين حداثة اتكأت على تنوير غربي، وأصالة استعادت لغة الماضي ورأت فيها الصواب الذي لا يحاد عنه وربطت اللغة بالدين، ومن بين الفريقين استطاع قلة أن يدركوا أن هناك شرطين لأي نهضة تنطلق للإبداع: الأصالة والمعاصرة. وهما الشرطان اللذان صنعا العقاد وشكلا طه حسين وأحمد شوقي، وإن كان الجدل مستمرا يشويهم الرافعي على السفود تارة ويستظل بالقرآن ليتركهم للهجير تارة أخرى، ومن جانب آخر يهزأ العقاد في مدرسة الديوان بتقليدية شعر شوقي وحافظ والبارودي ولكنه يعجز عن شعر يوازيه فضلا عن أن يبزه!

ثانيا: ما قيمة هذا الاستعراض في القضية التي أتحدث عنها؟!

قبل أن يطرح أحد هذا السؤال أقول، إن ما يميز تلك المرحلة من ثقافتنا العربية أن الصراعات كانت تؤدي لتأليف كتب ولم تكن تحرم إنسانا حقه في شهادة.

هنا، تفتح وعينا على صراعات بين روادنا الكبار لم تكن تدور في سلب حق من مستحق. فقبل ثلاثة عقود كانت الصحافة الورقية تشتعل بصراعات بين مدافع عن شعر عامي يمثل موروثا ورافضا له يراه خطرا على الفصحى، وبين شعراء رأوا أن الشعر الحقيقي هو ما كان مقفى أو موزونا وشعراء تبنوا الحداثة شعر تفعيلة وقصيدة نثر، وفي الملاحق الأدبية كان الصراع على أشده حتى أن أحد شعراء الحداثة المعدودين اعترف أن هناك تحزبا وتعصبا من جانبهم ضد الشعر التقليدي، وكان ردة فعل لرفض أصحاب الشعر العمودي لهم!

في تلك الأجواء، لم يكن مستغربا أن يخرج من يهاجم شعراء الحداثة ونقادها، إلا أن الهجوم في قضية الدكتور سعيد مختلف جدا، فقد سعدنا بخبر حصوله على الدكتوراه من جامعة أم القرى، ولم نلبث حينها حتى فوجئنا بعد شهور بخبر سحبها ولم نكن نجهل أن سبب سحبها لم يكن أكاديميا أبدا!

القضية وجهة نظر لبعض القائمين على الجانب الأكاديمي منطلقة من فكرة السلطة الأكاديمية التي تسعى لاستنساخ صورة بمواصفات مثالية عن خريجيها، وتناست أن الدكتور السريحي نسيج وحده، وأستاذ كان يجب أن تفخر به الجامعة لتميزه الواضح، لا أن تطالبه بأن يبقى في إطار مثقفي الحفظ والاستظهار الذين يكررون غيرهم ولا يطرحون جديدا يثري الوعي!

كنا نعرف الدكتور سعيد صاحب كلمة وثقل أدبي وحضور في الثقافة المكتوبة والمنطوقة. يملك سعيد لغة ساحرة وبيانا يعيدنا إلى عصور الفصاحة فأي ملاحظات رأت اللجنة على لغته؟!

وكما أشارت إحدى الكاتبات، الحداثة مادة تدرّس اليوم فبماذا أخطأ الدكتور سعيد إذًا؟!

اليوم وأمس الدكتور سعيد ناقد، وأنا أكتب هذه الكلمات أعلن عن صدور كتاب نقدي جديد له فكم عند الجامعة من سعيد؟! وهل عجز من قرروا سحب مؤهل استحقه بالبحث والدراسة أن يدركوا أن من يأخذون منه أحق الناس بالتكريم؟! مكانته اليوم في المحافل الثقافية ألا تشفع له وتعيد إليه الحق الذي سلب بالشك والظن وسوء الفهم؟!

إدارة الجامعة، كونوا شجعانا واعترفوا بخطئكم في حقه.

المؤسف أن تنعق أصوات لتزوير الماضي من جديد فتدعي أن موضوعه لم يقبل أصلا، وتظهر الوثائق أن الجامعة أعلنته حاصلا على شهادة الدكتوراه ضمن خريجيها لعام 1408 قبل أن تسحبها اللجنة في العام الذي يليه! وكثر المدافعون عن الظالم وظهر الشرفاء الذين ينطقون بحق الدكتور السعيد بأخلاقه وتسامحه وفضله.

اليوم وبعد ثمانية وعشرين عاما تمتع فيها أقران الدكتور السريحي بمزايا مادية وعلمية حرم منها؛ أطالب الوزير برفع الظلم، ونحن ما نزال في بداية عهده، وهي فرصة جاءت على طبق من ذهب لتعديل أخطاء طال عليها الزمن بحق رجل لم يكن له ذنب إلا الصبر والصمت والتنازل. أنت لها أيها الوزير الكريم.