تحدثنا في مقال سابق عن الأنا والزمن، ووجدنا أنه لا شيء يحدث في الماضي، وإنما يحدث دائما في لحظة تسمى اللحظة الراهنة أو الآن، وما الماضي إلا ذكرى للحظة من لحظات الآن التي مرت وقضت وانتهت، وبذلك فالماضي ليس له في الحقيقة وجود إلا في ذكرى له تنشأ في مخيلتنا وعقولنا وتحدث في لحظة الآن.
وعرفنا أنه لا شيء يحدث في المستقبل، فالمستقبل هو صورة ذهنية تخيلية لما يمكن أن يحدث في لحظة من لحظات الآن المستقبلية التي عندما تأتي ستكون دائما بصورة واحدة فقط تسمى (الآن)، وبذلك فإن الماضي والمستقبل ما هما إلا انعكاس لحقيقة واحدة، ألا وهي حقيقة اللحظة الراهنة، حقيقة لحظة الآن، فلا شيء يوجد خارج الآن. الماضي والمستقبل يمكن تشبيههما بالقمر الذي ليس له ضوء بذاته وإنما هو انعكاس لضوء الشمس. الآن هي ضوء حقيقة حياتك الوحيدة.
والماضي نوعان، ماض نستخلص منه تجارب وخبرات تعيننا على حسن استثمار لحظة الآن، وماض من نوع آخر يحمل في طياته الآلام والأحزان، وهذا هو الماضي الذي يرهق كاهل الإنسان عندما يعيش هذا الماضي في داخله حيّا على شكل ذكريات، فيصبح له كيان ليحبسه في سجنه ويصبح عقل الإنسان الذي يحيي هذه الذكريات هو السجّان.
والمستقبل كذلك نوعان، مستقبل نخطط له بعقولنا ونستثمر وضوح رؤيتنا في التركيز على لحظة الآن والتي بها لا بغيرها يمكن أن يتحول وهم خيال المستقبل إلى حقيقة، والتي ستأتي بصورة الآن عندما نصل إليها في يوم من الأيام.
وهناك مستقبل من نوع آخر يحمل في طياته الخوف والرهبة والترقب والهم مما هو آتٍ، وما هو في حقيقته إلا تخيل ووهم من صنع عقل الإنسان، وهذا هو المستقبل الذي يستنزف الطاقات ويفقد التركيز على الحقيقة الوحيدة في يد الإنسان وهي لحظة الآن.
والإنسان لا يستطيع أن يجد نفسه بالعودة إلى الماضي، ولا يستطيع أن يجد نفسه في تخيل المستقبل، لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه إلا بحضوره وتواصله مع لحظة الآن، هذا الحضور هو الوعي الذي يعي ويدرك ويرى ويرقب الأفكار والمشاعر التي يمر بها الإنسان، فلا يسمح للصوت الذي في رأسه والأفكار الشاردة أن تسرق منه لحظة الآن.
معظم الناس يعيشون في الماضي أو المستقبل، يعيشون الماضي بأحزانه أو أفراحه، أو هم وتخيل ما يمكن أن يحدث في المستقبل من محزن أو مبهج، وهم بذلك ينكرون دون أن يشعروا نعمة لحظة الآن، ويحرمون أنفسهم من الحقيقة الوحيدة في حياتهم التي بها لا بغيرها يمكن أن يتغير الإنسان.
ولكن لماذا يفعل الناس ذلك؟ إنها الأنا هي التي تفعل ذلك، إنها الأنا التي تستخدم الأفكار المتكررة المستمرة لتعيش بها في الماضي والمستقبل وتهمل لحظة الآن.. إنه اللاوعي الذي تعيشه معظم البشرية. الأنا تريد أن تهرب من لحظة الآن إلى ماض أو مستقبل، لأن وعيك بلحظة الآن يعني الحضور ويعني السكون ويعني الكينونة، يعني أن تترك مساحة كافية للوعي فيك أن يستيقظ، وأن تسمح لذاتك الحقيقية أن تعي وأن تراقب أفكارك ومشاعرك. هذا الوعي معناه أنك قد بدأت في سبر أغوار أعماق نفسك وأن تقترب من المصدر، من الروح التي فيك وهي من نفخة الرحمن.. ومن هنا يستقى الإلهام منبع كل إبداع، فالإبداع يأتي من عالم الإلهام، عالم آخر ليس من هذا العالم، وهذا ما يؤكده جل العلماء والباحثين والمخترعين، فكل الاختراعات والابتكارات كان منبعها إلهاما في ساعة صفاء ذهن وحضور نفس وسكون، لا ساعة صخب أو تفكير في مستقبل أو ماض.
إن الأنا تريدك أن تدمن على الأفكار المستمرة المتكررة التي تعيش في الماضي أو المستقبل لتصبح هويتك هي ما حدث لك في الماضي أو ما تنتظره في المستقبل، وكلاهما بعيد كل البعد عن هويتك وذاتك الحقيقية.
وقد قام باحثون من جامعة غرناطة University of Granada بدراسة شارك فيها 50 رجلاً وامرأة وتم تقديم جملة من الأسئلة تتضمن مشاعرهم تجاه الماضي أو المستقبل وعن صحتهم الجسدية والنفسية ونوعية وجودة الحياة التي يعيشونها، مثل: كم عدد المرات التي يفكرون فيها عن أشياء في الماضي كان يجب أن يفعلوها بطريقة غير التي فعلوها؟.. وهل يعيشون حياتهم يوما بيوم أم أنهم قلقون على المستقبل؟ وقد أظهر تحليل الإجابات أن الأشخاص الذين يسهبون في التفكير في الأمور السيئة التي حدثت لهم في الماضي وينظرون لأحداث الماضي بعين الحسرة والندم على فرص أضاعوها أو مرارة طريقة تعامل الناس معهم، هم أسوأ صحة وأكثر عرضة للإصابة بالأمراض، وكذلك هم أكثر قابلية للإحساس بالألم، وبشكل عام فإنهم يعيشون نوعية وطبيعة حياة سيئة.
وقد وجدت الدراسة أن أهم عامل للصحة هو طريقة النظر للماضي، وأن الذين ينظرون إلى الماضي نظرة سلبية ينظرون كذلك لأحداث الحاضر بسلبية، أي أن نظرتهم السلبية للماضي تحرمهم أن يروا إيجابيات الحاضر، بل هم أقل قدرة على القيام بالمجهود الجسدي في نشاطهم اليومي.
ووجد أن تركيز الأشخاص على المستقبل لا يؤثر سلبا على الصحة ولكنه يحرمهم من الاستمتاع بما يملكون في حاضرهم، وتبين الدراسة أن أكثر المشاركين سعادة وصحة هم أولئك الذين يملكون القدرة على الاستمتاع باللحظة الراهنة ويقدرونها وفي الوقت نفسه هم قادرون على التعلم من الماضي والتخطيط للمستقبل، وقد نشرت الدراسة في مجلة Universitas Psychologica في 24 مارس 2012.
إن إزالة أعباء الزمن من وعيك معناه إزالة الأنا إزالة هم المستقبل وحزن الماضي، وهما اللذان استعاذ منهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن"، وبذلك يصفو تركيزك على لحظة الآن التي بين يديك والتي فيها خلاصك ونجاتك وفوزك وفلاحك.
هذه اللحظة التي بين يديك هي الحقيقة الوحيدة التي كانت وسوف تكون، فلا تضع حاضرك بين ماض قد مضى لن يعود إلا كذاكرة هي أشبه بحلم قد انتهى، أو همّ مستقبل لا يأتي حين يأتي إلا بصورة الآن. إن لحظة الآن هي أجل نعم الله عليك.. خذها بقوة واستثمرها خير استثمار، فهي أغلى ما تملك، هنا أفهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذا قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا" فله بذلك أجر.
إنها اللحظة.. إنها الآن.. إنها حقيقتك.. وإنها حياتك، فأحسن استثمارها وأحسن غرسك فيها، فقد تكون آخر لحظة في حياتك فـ"دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياة دقائق وثواني".