أنا لن أدعي فهما لعوالم الاقتصاد والمال والمحاسبة، لكنني أتذكر أنني تمنيت في حديث مباشر مع معالي وزير المالية مطلع الأسبوع الماضي ألا نضطر تحت أي ظرف للسحب المالي من الاحتياط العام. تمنيت لو أنني أعطيته مقالا سابقا لم ينشر عن رؤيتي "لتأبين الطفرة". الاحتياط المالي العام مثل الاحتياط النفطي الهائل، ولله الحمد، هما في نسبة بالغة حق الأجيال القادمة إلى أرض هذا الوطن وسمائه. خيرات هذه الأرض هي حق الرضيع وحق الطفل السعودي الذي لم يولد بعد. نحن الجيل الذي سرق من مستقبل الأجيال السعودية القادمة كل شيء. كان الماء في جوف الأرض على بعد بضعة أمتار وسنرحل بعد أن تركناه على بعد نصف ميل في الجوف ذاته. كان احتياط النفط في آبارنا البترولية يكفي في ذروة الاكتشافات لثلاثمئة سنة وسنرحل لنترك للأجيال القادمة من هذا الذهب الأسود ما يكفي فقط لسبعين سنة على أكثر الأرقام تفاؤلا ومصداقية. كانت حتى أشجار الغضى والطلح كافية لوقود إرثنا الإنساني في هذه الصحراء لخمسة آلاف سنة مضت، ولكننا سنرحل بعد أن أصبح "الغضى" يقارب سعر "العود الأزرق" في ندرته.

بكل اختصار: أنا لا أريد أن نرحل من فوق هذه الأرض الطاهرة المباركة ليتحدث عنا أحفاد المستقبل وأجياله، تماماً، مثل سرب جراد مر من قبل على مزرعة خضراء فأكل الأخضر واليابس. نحن الجيل الذي رفع سعر المتر السكني إلى ألفي ريال، مثلما نحن الجيل الذي رفع إيجار الشقة إلى معدل رواتب أربعة أشهر أمام شاب جديد في الوظيفة ليقضي ثلث عامه كاملاً في توفير مكان للسرير والكنبة. وعوداً على بدء: نعم نحن نستطيع أن نعيش على سعر النفط اليوم إذا ما ربطنا الأحزمة وبتنا أكثر إيماناً بحق الأجيال الصاعدة في خيرات هذه الأرض. نحن نستطيع هذا ولو بترشيد بل إلغاء كل الكماليات التي تستنزف المال العام، وعلى مسؤوليتي: ثلث الميزانية العامة لهذه الدولة المباركة يذهب لهذه الكماليات. نعم.. كتبت من قبل مقالا في "تأبين الطفرة" ولكنني أيضاً كتبت آثار سرب الجراد الذي أكل كل حقوق الأجيال القادمة في كنوز هذه الأرض، وكأننا نعيش في استراحة موقتة لا في وطن تسلمناه من جيل وسنتركه أمانة للجيل الذي يليه.