متى كان آخر مرة شعر أحدنا بالضجر؟ ومتى كان آخر مرة غرق أحدنا في التفكير العميق في الفراغ ليخرج بفكرة غريبة أو جديدة أو مجرد إحساس بأعماق نفسه بكل ما فيها من آمال ومخاوف ورغبات؟
يقول علماء النفس، إن التقنية الحديثة التي أصبحت تتحكم في الإنسان اليوم تمكنت من أن تسرق من الإنسان ذلك الشعور الطبيعي الذي طالما كان مفتاحا للإبداع والإبحار نحو الابتكار والخيال، فالشعور بالضجر الذي كان يشعر به الإنسان قبل ظهور الهاتف الجوال على سبيل المثال أصبح اليوم نادرا نتيجة ما وفر له هذا الجهاز الصغير من تواصل لا ينقطع مع محيطه القريب والبعيد، حتى تمكن من أن يصل إلى كل أشكال إضاعة الوقت في المفيد وغير المفيد، لتقع حياته في الأسر لذلك الجهاز ومنقطعا له حتى وهو بين أهله وأصدقائه.
وقد أجري بحث في الولايات المتحدة الأميركية لدراسة أثر الضجر على الإنسان، إذ أُخضع أفراد لمحاولة إيجاد أفكار ابتكارية لاستخدامات جديدة لكاسات بلاستيكية أثناء قيامهم بنسخ أسماء وأرقام دليل الهاتف التليفوني، فلم يخرج أي من الذين خضعوا للاختبار بأية أفكار ابتكارية جديدة، إلا أنهم عندما أخضعوا لقراءة تلك الأرقام فقط ولمدة عشرين دقيقة استطاع أكثرهم الخروج بأفكار ابتكارية جديدة حول أفضل الطرق التي يمكن أن تستغل تلك الكاسات، مثل تحويلها إلى أقراص للأذان وقبعات للأطفال وغيرها.
الجوال اليوم أصبح صديقا، يصفه البعض بأنه رفيق سوء نظرا للسلبيات التي قد تنتج عن كثرة استخدامه، فهو يقتل ملكة التأمل الذاتي وانعزال الإنسان مع نفسه الداخلية، وبالتالي فالضجر الذي كان في الماضي يشتكي منه الإنسان ويسميه "طفش" غاب عنه تماما وبالتالي انقطع عن أهم مخرجات ذلك الـ"طفش"، وهو التفكير والتأمل وبالتالي الابتكار والإبداع.
الضجر كان ينتج لنا أحلام اليقظة التي يصفها بعض علماء النفس أنها المسرح الذي تتجلى فيه ملكة التفكير الخلاق، وتتشكل منه الأفكار الجديدة والمتميزة التي تخالف كل ما تعودنا عليه، وبانعدام الظروف التي تسمح لنا أن نحلم في يقظتنا أصبحنا أبعد ما نكون من أن نكتشف الجديد والمبتكر.
ولقد ابتكر أحدهم تطبيقا للهواتف الجوالة يسمح لمستخدمه أن يتعرف على عدد المرات التي حمل فيها جواله، وكم دقيقة استخدمه، وذلك بهدف أن يعيد المستخدم معرفة مستوى إدمانه وتعلقه بهذا الجهاز. وبالتالي يعيد تقييم نفسه ليعود لنمط حياة يسمح له بالضجر الذي يهيئ له بالتالي أن يصبح إنسانا يحلم ويبدع.