بات الآن في حكم المؤكد أن صورة الإسلام قد أصيبت بخدش كبير آخر، أجزم بأنه أعمقها وأكثرها تأثيرا في الصورة الكلية.

فما فعله ويفعله تنظيم ما يُسمى صلفا بـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي يُعرف اختصارا بـ"داعش"؛ من كوارث وجرائم بحق الإنسانية والأخلاق والإسلام لا تُغتفر، وأصبح من غير الممكن الآن المرور بالتاريخ دون الوقوف عند هذه المرحلة المخجلة، فقد نجح هذا التنظيم المتطرف -وهو نجاحه الوحيد بالمناسبة- في صنع نقطة سوداء سيعتمدها المؤرخون للفصل بين مراحل التاريخ، وسيكون هناك دائما في سردهم "ما قبل وما بعد داعش".

وأجزم أن التاريخ الإنساني سيتذكر تلك الجرائم كفاصلة سوداء عفنة جدا في تاريخ البشرية، فمن قطع الرؤوس وتعليقها على مداخل وميادين المدن والقرى، إلى امتهان الإنسان بإعادة ذاكرة سبي النساء واسترقاق البشر، وأخيرا -ولا أظنه آخرا- جريمة إحراق البشر أحياء كحكم ديني!

فأي كرامة بقيت للإنسان لم تدنس وتمتهن بعد؟

إن من صنع "داعش" في الواقع هو ذلك الفكر الفقهي المتطرف الذي بدأ مع تشدد الخوارج وفتاواهم المتعصبة، ومن تلاهم ممن لم يروا الدين إلا من النافذة الضيقة، وهم من أوجد المنافذ الفقهية التي يتبعها ويستغلها فكر تنظيم "داعش"، لتبرير أعمال القتل والوحشية، وهي تلك الفتاوى الفقهية العتيقة التي صاحبت مراحل تاريخية حرجة فقد المجتمع الإسلامي فيها شيئا من توازنه.

المؤسف حقا، أن نتجاهل حقيقة أن الفقه ما هو إلا علم الفروع، و"رأي في النصوص وتفصيل لأحكام الحوادث والأعمال" مثلت وتمثل مراحل تاريخية ما، أو أشخاصا بعينهم قدموا ما لديهم من اجتهادات ورؤية، وعُرفوا بأئمة عصورهم وعلماء زمانهم، ليكون مجموع تلك الآراء ما اتفق على تسمية مخرجاته بالفقه الإسلامي، وهو ما يرى فيه الفكر "الداعشي" الفقه الملزم للناس كافة، وما يصر بعض المتدينين على إسقاطه على زمننا هذا، وعلى كل زمان ومكان ومجتمع أيضا!

لكن لماذا نحن ملزمون بالعودة إلى تلك الأطروحات الفقهية العتيقة في كل صغيرة وكبيرة في عصرنا الحالي؟ ألا يجب أن يكون لنا فقهاؤنا وفقهنا المتماهي مع زمننا ومتغيراته، كما كان لكل مرحلة فقهاء وفقه؟

حاولت كثيرا الامتناع عن مشاهدة فيلم إحراق الشهيد البطل "معاذ الكساسبة"، رحمه الله، الذي ذهب ضحية الفقه الشاذ المتطرف، لأنني لا أوافق على تصوير مثل هذه الوقاحات بحق الإنسانية والأخلاق والكرامة، فضلا عن نشرها للمشاهدة، ولكنني عدت وشاهدته "دون صوت" تحت ضغط تعدد الروايات هنا وهناك عن الفيلم المؤلم.

وقد تأكد لي بعدها أن تنظيم "داعش"، قد خسر أهم معاركه بالكامل، وفقد طيفا واسعا من المتعاطفين مع دعوته إلى إقامة "دولة الخلافة الإسلامية" التي ينادي بها، فمن الذي يرغب في الانضمام إلى دولة وحشية لغتها قطع الرؤوس وسبي النساء وإحراق البشر باسم الله وإقامة دينه؟!

وهذا للأسف ما يتشكل حاليا في كل أنحاء العالم عن الإسلام والمسلمين، من خلال ربطهم بسلوك وفكر "داعش" الفاسد، وستبقى صور الرؤوس المقطوعة المعلقة، والرجال الملثمون المدججون بالأسلحة، والرايات السوداء، واحتراق إنسان في قفص، أكثر الصور السلبية تأثيرا، وسترسم الإسلام والمسلمين لعقود قادمة في الذاكرة الإنسانية.

ولو أن هؤلاء "الدواعش" لم يعرضوا فيلم الفيديو وصور إحراق "الكساسبة" حيا، لربما ظل المشهد محل خلاف وطرح احتمالات بين جماهير المجتمعات والثقافات، ولربما كان تأثيره أقل على الرغم من بشاعة الجريمة، لكن تكوين صورة موحدة عن شيء ما، تعني أنك ستكون في مواجهة أعظم متاعبك على الإطلاق، فأنت حينها ستقف أمام حركة العقل الجمعي الذي صنعته بيديك، فالعقل الجمعي موحد الصورة والفكرة والهدف، وهو العقل الذي لا يفكر بقدر ما يجيد تلقي الأوامر والإرشادات، ولن تستطيع إيقاف زحفه إذا ما تحرك باتجاهك. وأكثر المخاوف على الإطلاق، أن يتحول إلى دهماء لن يكون لك حول ولا قوة أمامها.

هكذا صنع تنظيم "داعش" أعداءه، ووحدهم على كره فكره ووجوده وبالتأكيد فقهه المتطرف.