(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين* إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون). الآيتان القرآنيتان الكريمتان تلتهما الجدة الحورانية على مسامع أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة في درعا، وربما تكون جبهة النصرة، حسبما يوحي تسجيل مصور بث على مواقع التواصل قبل أيام، وأردفت الآية بالقول: "خافوا الله... الله لن ينصركم على بشار ولن ينصره عليكم، أنتم تقتلون بعضكم كـ"الدواب" "دولتكم ملعونة ولا خير فيها".
خطاب سياسي بارز بامتياز وجهته الجدة لـ"الثوار" بعد أن رأت الممارسات الخاطئة المرتكبة من بعض الفصائل الإسلامية المعارضة.
الجدة "الشبه أمية" أخفقت، دون عمد، في حكم الكم والنوع والسببية والنتيجة عندما ساوت بين جرائم النظام وجرائم المعارضة المسلحة، لكنها أصابت في حكم القيمة. هي لم تفلسف طرحها، لم تحمله أيديولوجيا المثقفين المسكونين بهموم الرقص على إيقاع اللغة والمفردات السياسية المنتقاة بعناية، بل أطلقت كلماتها بعفوية وفطرة وبديهة لا يمتلكها، وللأسف الشديد، بعض "أشد سياسيينا حنكة" في المعارضة السورية: "كيف سينصركم الله على النظام إذا كنتم تفعلون مثله"؟
سؤال قد يبدو للبعض استفزازا مجحفا ولئيما إذا ما عدنا إلى مفاهيم المقارنة الأربعة التي ذكرتها سلفا، وفي الوقت عينه جوهريا وعميقا وحاسما في القيمة الجوهرية للفعل وبالدرجة نفسها لرد الفعل أو الفعل المعاكس.
ليس منصفا أن نطالب السوريين المقهورين والمعنفين والمقتولين جسديا أو روحيا من قبل النظام بأن يكونوا ملائكة بلا أخطاء وأحقاد، لأنهم ببساطة بشر، وليس عادلا ولا إنسانيا ولا واقعيا أن نحملهم صلب السيد المسيح ونلزمهم أن يديروا خدهم الأيسر بعد أن يضرب الأيمن بالرصاص، فالمسيح نبي وهم ليسوا أنبياء، لكن الجدة بسليقتها السياسية البدوية وفهمها الأصيل للدين الإسلامي حلت لغز السؤال الجدلي عندما قالت: "خافوا الله"...
الجملة السحرية، بسيطة اللغة والتراكيب، شعبية، حاسمة، ضرورية، وسياسية: المطلوب من جميع السوريين في هذه المرحلة أن يتصرفوا بأخلاق وضمير، أن يحكموا شرعة القانون، أن يبتعدوا عن الممارسات القطيعية التي تعزز شريعة الغاب، وأن "يخافوا الله".
هل يمكن أن نقتل شخصا بناء على انتمائه الطائفي أو السياسي أو الفكري ثم نطالب بالحرية؟
قطعا لا، وحدهم القتلة واللصوص والفاسدون ومروجو الفتنة يستحقون العقاب وحصرا عبر عدالة انتقالية تطال الظالمين دون استثناء، وتنصف المظلومين دون استثناء، عدالة تمنع قدر المستطاع "حتمية" سقوطنا الوشيك في مستنقع الثأرية "المجنونة".
كتب أحدهم معلقا: "ما أحوجنا إلى هذه الجدة في صفوف قادة المعارضة السورية"، نعم أقول: ما أحوجنا إلى خطاب الجدة كي ننقذ ما تبقى من الوطن والثورة، فلا وطن يبنى بالأحقاد والطائفية وليس ممكنا في هذه المرحلة الحاسمة أن نتجاهل جرائم البعض لأننا نخشى الاعتراف بإخفاقنا في الحفاظ على الخط الأساسي لثورة الكرامة أو لأن البعض كان من الأصل يريدها فتنة طائفية.
هل تقوم الثورات دون دماء وأخطاء؟ لا، ولكن دعونا ننتصر بالحد الأدنى من الأخطاء والحد الأعلى من الإنسانية.
مجددا أقول: قد يبدو كلامي تنظيريا سفسطائيا ومستفزا للبعض وأنا أجلس في شانزيليزيه باريس وأشرب الكابوتشينو في مقهى باريسي أمام قوس النصر، وأسطر هذه الكلمات على شاشة كمبيوتري المحمول، بعيدا عن رائحة الدم، إلا أنني مصممة على حمل السلاح والمضي قدما في مهمتي الشائكة، سلاحي قلم صوبته ذات مساء بوجه دبابات النظام التي كانت تحاصر درعا فكان الثمن منفاي الأثير، وها أنا أصوبه اليوم بوجه من يشوهون الثورة.
هل تتساوى الضحية مع الجلاد؟ نعم، وفقط عندما تستخدم أدواته وتتقن تقليده وتقتله عندما يكون بإمكانها ألا تفعل... وحدها الرصاصة، الضحية العمياء، تهزم المسافة.. الرصاصة الضحية تغدو رصاصة قاتلة، جلادة، وظالمة عندما تغادر غمد شرعيتها في الدفاع عن نفسها والقتل فقط لرد القتل المحتوم.
دعوا الجلاد مستيقظا والظالم حيا.. لا تمنحوا القتلة فرصة التلذذ بتحولكم إلى صور مستنسخة عنهم، لا تجودوا عليهم بنشوة الانتصار: وحده بقاؤكم شرفاء يقتلهم.
وأخيرا وليس آخرا ومع آخر رشفة من قهوتي، وحيث يغزو رأسي المنهك حديث بشار الأسد التراجيدي مع البي بي سي وإنكاره لاستخدام جيشه البراميل المتفجرة أو "طناجر ضغط" كما قال ساخرا قبل أيام، أكتب جملتي الأخيرة لهذا اليوم:
(بشار: أنصحك حقا بلقاء القائدة السياسية العظيمة "الجدة الحورانية"، ربما تخاف الله قليلا وتنقذ ما تبقى من وطن كنا نمتلكه يوما... هذا حقا إذا كنت تعترف بوجود وطن).