نظرت من حولي نظرة الفاحص المتأمل، فوجدت الأشياء تحوطني من كل مكان، من رأسي إلى أخمص قدمي.. منزلي، أثاث بيتي، سيارتي، ملابسي، هاتفي.. وغيرها كثير وكثير.. وهل نستطيع أن نعيش بدون الأشياء، فهي وسائل تخدمنا، ولا يستطيع الإنسان أن يحقق الأهداف والغايات دون الأخذ بالأسباب وحسن استخدامه للأشياء، فاستشعرت كيف أن الله وضع في الأشياء خاصية تجعلها مؤهلة لتكون جزءاً من الاختبار والابتلاء، فهي قادرة على أن تتحول من وسيلة إلى غاية ومن خادم إلى سيد.

عدت بذاكرتي إلى سنوات طفولتي الأولى وسألت نفسي: كيف بدأت الأشياء في التغلغل داخل كياننا لتصبح جزءاً من هويتنا شيئاً فشيئاً وإذا سُلبت منا فكأنما سلبت منا هويتنا؟

تذكرت مشهد دموع الطفل وهي تنهمر عندما يأخذ طفل آخر منه لعبته؟ وإن كان لديه ألعاب أخرى كثيرة، حتى ولو علم أنها ستعود إليه، فهو يخشى أن يشاركه فيها أحد.

إنها (الأنا) التي بدأت في التكون في مرحلة مبكرة من العمر، (الأنا).. الصورة الذهنية التي نكونها عن أنفسنا ومن نكون، وتبدأ الأشياء عملها في عقل وقلب ونفس الإنسان، ويبدأ التعلق بالأشياء والتماهي معها قبل أن يدرك الإنسان ما تفعله به الأشياء، إلى أن يشتق الكثير من الناس هويتهم من الأشياء، فعندما يقول واحد منا (أنا) يقوم العقل بفعل اختزالي هائل لماهيتنا وهويتنا إلى كل ما نتماهى ونتعلق به من أشياء، شهاداتي، مهنتي، منصبي، عملي، ممتلكاتي، معارفي التراكمية، تصوري لجسدي وشكلي ومظهري أمام الناس، وكلها صور من الأشياء.

معنى التماهي أو التماثل أو التطابق هو أن أسبغ هذا الشيء إحساسي بذاتي، أن أُعرِّفَ نفسي به وأن أحاول أن أجد نفسي فيه حتى يصبح هويتي وتصبح (أنا) عندما أقولها هي ذلك الشيء أو الأشياء التي أمتلكها، (الأنا) التي فينا تجعلنا نساوي بين الملكية والكينونة، أنا أمتلك إذاً أنا موجود، وكلما زاد ما أمتلكه كبرت (الأنا) فيَّ، وابتعدتُ أكثر فأكثر عن الإحساس بذاتي الحقيقية، روحي التي بين أضلعي، نفخة الرحمن التي فيَّ، كينونتي وحياتي الحقيقية.

ويشتد تأثير الأشياء على الإنسان في المجتمعات التي تعيش ثقافة تساوي إلى حد كبير بين القيمة الذاتية ومقدار ونوعية ما يمتلكه الإنسان، لن أنسى ما كنت أسمعه صغيراً، وما زلت أسمعه في محفل بعض رجال الأعمال عندما يستفسرون عن ثروة رجل أعمال آخر بسؤالهم: كم يساوي هذا الرجل؟ كم يساوي!! يقصدون بها بالطبع كم يملك من المال والعقار والشركات، ولكن من شدة تماهيهم بالمادة وتعريفهم أنفسهم من خلالها، أصبحوا يعرفون الناس بما يملكون من ثروات.. والمجتمعات التي يغلب عليها الطابع المادي الاستهلاكي تحاول إيجاد ذاتها عبر الأشياء.

(الأنا) في تلك المجتمعات تشعر بالرضا لفترة قصيرة تزول وتعود بالرغبة الملحة للبحث عن المزيد من الأشياء في صور استهلاك وشراء، لأن (الأنا) لا تكف.. تقول للإنسان: أنا لم أكتف بعد، أريد المزيد، وعندما تمتلك تشعر بإشباع سطحي عابر سريع يتبعه احتياج للمزيد حتى يصبح إدماناً نفسياً على شراء الأشياء وتملكها، يتماهى معها الإنسان ليضخم بها (الأنا) هويته الزائفة.

أدركت كيف أن التماهي مع الأشياء ظناً أنها تجلب السعادة والهناء هو وهم جماعي يعيشه عالم اليوم المادي الاستهلاكي، بل وجدت أن هذا الوهم قد تم كشف زيفه بالبحوث والدراسات العلمية.. مئات الدراسات قامت لتجيب عن سؤال واحد: ما هو تأثير التكالب على الماديات على سعادة الإنسان وصحته الجسدية والعقلية والنفسية والروحية؟

إحدى الدراسات التي وقعت بين يدي، وهي دراسة تحليلية شاملة أجريت بمنهجية علمية دقيقة، أكدت أن النظرة المادية للحياة والتعلق بالأشياء المادية يؤثر سلباً على صحة الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية، بل ويزيد من نسبة حدوث الاكتئاب والتوتر، ويؤثر سلباً على تقييم الإنسان لذاته واحترامه وتقديره لها، كما يؤدي إلى زيادة العادات والسلوكيات الاستهلاكية التي تضر بالصحة، وبشكل عام فإنها تؤثر سلباً على جودة الحياة.

واستعرضت هذه الدراسة أبحاثاً ودراسات من 120 مجلة ومنشورة علمية على 148.413 مشاركاً من 44 دولة يمثلون جميع القارات، وقد قدمت هذه الدراسة تصوراً شاملاً لمفهوم الماديات الذي لا يقتصر على المال، وإنما يشمل اعتقاد الإنسان وإيمانه بفوائد الماديات وقدرتها على جلب السعادة والشهرة وتحسين الصورة الاجتماعية.

كما بينت الدراسة أن التبعات السلبية حدثت بغض النظر عن التشكيلة السكانية أو الصفات الشخصية، وأنها تحدث في جميع المجتمعات عبر الكرة الأرضية باختلاف اقتصادياتها وقيمها الحضارية والثقافية، وإن كانت العلاقة أقوى في الشعوب والدول الثرية وذات الوفرة المادية وكذلك الرأسمالية والدول التي يعد السعي وراء المتعة من أولوياتها، وكذلك الدول ذات التوجه المادي والقيم المرتبطة بها مثل الهرمية والتفاوت في توزيع الثروات والذين لا يبالون في تحقيق الانسجام بين شرائح المجتمع وطبقاته. وقد دُعمت هذه الدراسة المرجعية الشاملة من منحة مجلس الأبحاث الاقتصادي الاجتماعي بالمملكة المتحدة (UK Economic and Social Research Council ESRC).

وفي مقال قادم بإذن الله سنكمل حديثنا عن (الأنا) والأشياء بالتعرض لبنية (الأنا).. وحقيقة الإدمان على الأشياء.