ما زال العالم يتذكر تاريخ الرابع عشر من فبراير عام 2005 حين دوّى انفجار ضخم بالقرب من فندق سان جورج في بيروت، واتضح أن الانفجار قد استهدف موكب رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، ويمكن القول إن أكبر جريمة حصلت بحق لبنان هي اغتيال الرئيس الحريري في يوم الحب؛ لا لسبب سوى أن لا أحد أكثر من الحريري قد عبّر بشكل واضح للعالم عن حبه للبنان واللبنانيين، ولذلك مات لأجدل قضيته الأولى/ لبنان.

منذ اللحظة الأولى التي تنبأ له فيها الصحافي الكبير الراحل سعيد فريحة بمستقبل مشرق حين رآه يعمل محاسبا نهارا ومصححا لغويا ليلا في مؤسسة "الصياد" الصحفية، منذ تلك اللحظة كان لبنان نصب عيني الرئيس الحريري، ولم يمنعه خروجه منه إلى السعودية للعمل من التدريس إلى أن يرجع إليه رئيسا للوزراء، بل كان أكثر من ذلك، لأنه لم يعد إلى لبنان لممارسة السياسة بل عاد ليبنيها وليعيدها من جديد إلى مجدها التليد، حيث لم يتحمس الحريري لشيء في حياته أكثر من حماسه للبنان واللبنانيين، ولقد أتاح له ذكاؤه وعلمه والفرص من حوله أن يكون أحد أثرياء العالم، ومع ذلك لم ينس رجل الاقتصاد والأعمال الثري أهله في لبنان، حيث كان وفيا لوطنه حتى آخر لحظة في حياته.

لم ينسَ الحريري مدينته صيدا التي ولد فيها، ولم ينسَ مدرسة "المقاصد الإسلامية" التي تخرج فيها، ولم ينسَ زملاءه وأصدقاءه ومعارفه، كما لم ينس أنه لبناني -بالمعنى الحرفي للكلمة- ككل اللبنانيين، حيث آمن الحريري إيمانا لا يرتقي إليه الشك بلبنان كوطن وحضارة وقيمة إنسانية عظمى، تضم بين جنباتها كل اللبنانيين، ولم يكن في مسيرته طائفيا على الرغم من أنه لم ينس أهل طائفته السنية، التي في المقابل لم تكن بديلا عن لبنان وأهل لبنان بالنسبة له، فقد أسس تيارا اجتماعيا يحمل رؤية بانورامية للبنان، إذ إن تيار "المستقبل" الذي أسسه لم يكن على مبدأ الطائفة ولا الدين، بل حوى كافة الطوائف والأديان والثقافات والأفكار والتوجهات السياسية؛ حيث إن رؤية الرئيس الحريري كانت تقوم على أن هذا ما يجب أن يكون عليه لبنان.

كان رفيق الحريري يبحث عمّن رافقوه في "المركب الخشن" صغارا وكبارا أيام العوز والحاجة، إذ عاد إلى لبنان عودة الفاتحين، ولم يكن يحمل معه سوى همّ بناء لبنان من جديد وتأهيله ليكون قبلة ثقافية وسياحية وحضارية عالمية، كما كان قبل الحرب الأهلية، ولذلك سجّل له التاريخ المعاصر أنه أهم شخصية التف حولها الأصدقاء والأعداء، وأهم روح لبنانية كانت ثمنا لاستقلال لبنان الثاني، والذي ما زال جزئيا حتى بعد خروج النظام السوري من لبنان، حيث إن استكمال الاستقلال هو عودة حزب الله لممارسة السياسة لا ممارسة الوصاية السياسية والعسكرية على الدولة اللبنانية.

قام رفيق الحريري بالعديد من المبادرات الاجتماعية عبر مؤسسته التي قدمت ما لم تستطع الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها أن تقدمه، كالتعليم المجاني والبعثات الدراسية العليا، فخرّجت آلاف الطلاب على مدى سنوات، عدا إعمار لبنان من جديد والعديد من الأعمال التنموية.

إن شخصية الحريري ومشروعه الوطني في لبنان كانا الخطر الذي أقلق الفاسدين المستعمرين للبنان، ولذلك لم يجدوا طريقا لنزع الخوف من قلوبهم سوى اغتياله بهذه الطريقة البشعة، فجمعه بلبنان وحدة المصير الذي كان الحد الفاصل بين لبنان ما قبل الاغتيال وما بعده، وهكذا قدر المناضلين عن أوطانهم أن يدفعوا ثمن الحرية، ولو كانت أرواحهم، وقد اختار الحريري أن يكون "لبنان أولا".. فمات شهيدا دون وطنه.