أخشى أن الكلام أدناه قد لا يعني من قريب أو بعيد كل الذين داهمتهم الصحوة، وشدت وثاقهم وأدخلتهم صالونها الذي كان يمعن في التطهر والتزهد والتورع إلى حد التخشب والتخشن في المظهر والمسلك، كما لا يدخل ضمن هؤلاء من لحستهم الصحوة بمرورها العابر عليهم وهم الذين أخذوا منها سنن الالتزام لكنهم لم يكفروا، ولم يشغلهم تزمت بعض الصحويين عن الفرح ومعايشة كل الأطياف والاتساق مع تنوع وتعددية البلدان واختلافات البشر.
لا تحسب أيها القارئ أنني بصدد الحديث عن الصحوة تأصيلا وتاريخا، بل إن حديثي هنا عن المسارات البشرية العفوية للتجريب وفقا لما تقتضيه المراحل العمرية من نزوات المراهقة وشطحاتها ثم ما يلي هذه السلوكيات الطبيعية من هدوء ورزانة وميل تلقائي للاستقرار، على أن هذا السياق البشري التلقائي لا يعتد بالاستثناءات عند بعض الأفراد الذين قد تطول بهم المراهقة إلى سن متأخرة.
وبناء على كل ما مضى فإن كل من لم ينحرف (بحسب التعريف الصحوي المتزمت) نسبيا في مرحلة محددة فإنه مجانب للمسار التلقائي ومنحرف عن السياق الطبيعي للنمو البشري المتدرج، أريد أن أقول إن من لم يعصف به الهوى أو "ينعفط" لعباية عابرة أو "شيلة" منحسرة أو "كحلة" مرسومة، أو من لم ينجذب للثغة طلال مداح وصوته الرخيم أو هام مع سامريات محمد عبده، ومن لم يتكلثم مع كوكب الشرق وينتظر حفلتها المتأخرة من صوت العرب، ومن لم يجتر الأحزان مع عبدالحليم حافظ فهو متكلف ما لا يطيق، ومتلبس ما لا يليق، وأخشى أن كثيرا ممن لم يظهروا هذا الميل أو كانوا يخفونه بسبب سمتهم الظاهر الذي صار له وطأة الصرامة والتكلف واصطناع خلاف ما يبطن، فإنني أستطيع القول بأن هذه الحالة هي التي أفرزت لدينا خلال العقود الماضية الشخصية السعودية المزدوجة، وهي الشخصية التي لها مظهر ومخبر، ولها لبوس مجلس ولبوس آخر لمجلس آخر، إنها تلك الشخصية التي لها وجه في الداخل، ووجه في الخارج.
وهي الشخصية التي يختلف سلوكها مع بني جنسيتها بخلاف سلوكها وتعاملها مع بني الجنسيات الأخرى.
لكنني أعتقد أن تلك المرحلة آخذة في الانحسار ومنحازة إلى الاعتدال والتوسط كما يُظهر ذلك كثير من الدلالات والممارسات التي صرنا نلحظها في بعض مناسباتنا الاجتماعية.
لقد انخفض أخيرا توزيع المطويات والأشرطة الوعظية في المجالس اليومية أو في مناسبات الأفراح والأتراح، ولربما أن الوسائط الإلكترونية قد حلت مقامها من خلال ما صار يتردد من فيديوهات قصيرة عبر خاصية الواتساب وغيرها من النوافذ الوسطية التي سحبت البساط من كثير من الوسائل التقليدية.
كما صارت أفراحنا تشهد شيئا من أساليب التعبير والاحتفاء من خلال بعض العرضات والرقصات الفلكلورية الشعبية، والغريب أن هذا التحول لم يجد اعتراضا أو تحفظا رغم أن الأشخاص في الغالب هم الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يرتادون المناسبات السابقة، وكانوا في السابق يجلسون وكأن على رؤوسهم الطير، وفي المجمل فإنني أحسب أن المجتمع آخذ في العودة المتدرجة إلى وسطيته المحمودة التي تأنف التفسخ لكنها بالمقابل تنبذ التشدد وتكليف الناس ما لا يطيقون، إنها مجرد ملاحظات اقتبستها من خلال بعض مشاهداتي لهذا الواقع المتغير خلال الفترة القريبة الماضية ما دعاني إلى اجترار بعض الذكريات والوقائع التي خزنتها أدراج الذاكرة.