التعليم ليس لمن يبحث عن وظيفة، التعليم لمن يريد أن يحدث تغييرا في حياة الطالب، أن يرتقي به ويرتقي معه، من يريد أن يدخل سلك التعليم يجب أن تكون أولا محبته لهذه المهنة منبثقة من محبته للطلبة، إنسان يعرف أنه يستطيع أن يترك أثرا في مسيرة أبنائنا التعليمية، فلا يمكن أن نسلم تلك المروج الخضراء لمن سيهمل غرسها أو يتجاهل عطشها للمعرفة أو من يفكر فقط بمصالحه الشخصية! لقد كانت هذه المهنة يوما للعمالقة من التربويين ممن نذروا أنفسهم لهذه المهنة العظيمة، وبدأنا نخسر عندما تحولت عند البعض إلى مجرد وظيفة وراتب!
الغالبية يفسر الحالات من وجهة نظره واحتياجاته فقط! نعم من حق كل من يتقدم لمهنة التعليم ولديه المؤهلات والمهارات اللازمة للقيام بها أن يتم توظيفه إن وجد الاحتياج، ولكن عادة أين نجد هذا الاحتياج؟ في المناطق البعيدة، في أطراف المدن أو القرى والهجر، لنفصل أكثر، الوزارة لديها مدارس بطلبة وتلاميذ بحاجة للمعلمين والمعلمات، وإلى تعليم مستمر وليس متقطعا، بمعنى أن يتغير عليهم كل ستة أشهر أو أقل من يقوم بتعليمهم! لنكن واقعيين كيف سيكون عطاء من يحلم بالنقل ويعد الأيام إلى أن يتم له ذلك؟! إن كان أصلا غير راغب بها وغير متقبل لها، هل سيتقبل أبناء المنطقة التي تم إيفاده إليها؟! السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا بعد كل هذه السنين الطويلة من تاريخ وزارة التربية والتعليم والرئاسة العامة لتعليم البنات قبل الدمج، لم يتم تخرج معلمين ومعلمات من المناطق البعيدة نفسها؟! لماذا ما زلنا نحتاج أن نغطي الاحتياجات من الهيئة التعليمية من مناطق أخرى، غالبيتهم أتى من مدن بعيدة؟! هل الخلل في إجراءات التوزيع أم كان الخلل في دراسة احتياجات المناطق وتهيئة ما تحتاجه من كوادر تعليمية؟ هذا الواقع الذي ورثته هذه الوزارة والتي قبلها، كيف سيتم التعامل مع ذلك؟ لنعطي فرصة للوزارة الحالية لكي تعالج ذلك، ولكن أيضا يجب أن نوضح هنا المعضلة التي تواجهها اليوم؛ إنها بحاجة لأن تؤمن تعليما مستمرا بمستوى ما يقدم في المدن للمناطق البعيدة، لكنها وجدت أن هنالك من يشتكي من الغربة وخطورة الطرقات والحالات الخاصة، فإن تعدت ذلك وعينت هيئة تعليمية من الخارج تقبل العمل في هذه المناطق وبطريقة أو بأخرى تم نقل من يطالب بذلك، تعالت صرخات الاعتراض بأن من حق أبناء البلد بهذه الوظائف! وإن أبقت الوضع على ما هو عليه تجمع لديها ملفات من الحالات الخاصة، هذا غير حوادث المعلمات التي بتنا نقرأ عنها في فترات زمنية متقاربة! الحقيقة يجب أن تقال هنا، بأن الوزارة في وضع لا تحسد عليه! وبالرغم من ذلك هي مطالبة بإيجاد حل ما يوازن بين حقوق المتعلم والمعلم.
والآن لنناقش وضع أصحاب الحالات الخاصة، وهنا أعني بالتحديد من لديهم أبناء بحاجة لعناية طبية غير موجودة حيث تم الإفادة، وبما أنه لم يكن هنالك بند يحدد ما إذا كان لدى المتقدمة للوظيفة التعليمية أحد من أبنائها ممن هو بحاجة لرعاية طبية؛ بمعنى أدق إعاقة جسدية أو مرض عضال، فهنا معالجة وضعها يجب أن تكون ليس من أجلها، بل من أجل الطفل الذي له حقوق علينا بالعلاج والرعاية خاصة إن كان معاقا، إضافة إلى إصابته بأمراض أخرى، نعم نتفهم وضع الوزارة في أهمية استمرار العملية التعليمية لعدد كبير من أبناء تلك المناطق، ونعم إن هنالك من قبلت الوظيفة وهي تعلم بخطورة ذلك على صحة ولدها المعاق بحجة أنها محتاجة للوظيفة، بل إن هنالك من أبلغت الوزارة بحالة ولدها كما أن هنالك من لم تبلغ بحجة أنه لم يكن هنالك بند يطلب منها ذلك، لسنا هنا لنحكم مع من الحق، لا نملك هذه الرفاهية فالوقت ليس بصالحنا خاصة بوجود طفل معاق معلق بين من يبحث في بنود القوانين ويتمسك بها وبين من استخدمه كورقة ضغط على الوزارة من أجل النقل، ولا أقول كلهن، ولكن أتحدث هنا عمن خاطرت بمصلحته من أجل وظيفة على أمل، وهنا لنضع خطوط حمراء تحت كلمة "أمل" التمكن من إيجاد قرار النقل نظرا لظروف هذا الابن!
السؤال هنا: من الذي تتعرض حقوقه للانتهاك؟ الابن المعاق! وعليه وجب التحرك بسرعة دون أي مماطلة، والحلول كثر، لمن يضع نصب عينه مصلحة هذا الطفل!
وإلى جانب كل ما ذكرت، هنالك قضية الخريجات القدامى ممن لم يتم توظيفهن لفترات قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر، ويطالبن بالتوظيف، نعم من حقهن فتح مجال فرص التعيين أمامهن، ولكن أيضا من حق الطالبات والتلميذات أن يتم تعيين معلمات تدربن على طرق التدريس واستخدامات التكنولوجيا الحديثة في التعليم، وهنا لا يتم ذلك دون إخضاعهن لبرامج إعادة تأهيل تبنى خصيصا لهذه الشريحة، عندها يشترط التعيين باجتياز البرنامج، أو التحويل إلى الأعمال الإدارية.
لكي يتقدم التعليم يجب أن يُنظر بجدية إلى كل ما قد يُعطل هذه العملية، وهنا لا أعني وزارة التعليم فقط، فهذا دورها الأساس، هنا أعني الشرائح التي تخدمها هذه الوزارة، نريد الحلول وهي حقوق منتظرة، يجب أيضا أن نَفهم كما نتوقع أن نُفهم، ومتى تم ذلك نكون قد أخذنا أولى الخطوات للاقتراب من الأرضية المشتركة التي سينطلق منها الجميع، وإلا سنبقى كل يغني على ليلاه!