كغيري من جيل التسعينات، تشربت ثقافة المبشرين بالحداثة الأدبية والفكرية أمثال الدكتور "سعيد السريحي"، وعبدالله الغذامي، ومحمد الثبيتي، ومحمد زايد الألمعي، ومحمد العلي، وغيرهم من العمالقة، الذين قرروا بشجاعة تقديم الوجه الجديد لمستقبل الثقافة السعودية، وفك الحصار عن الفكر الموجه، والإعلان عن موعد الربيع الفكري الحديث، وقدموا لنا نماذج القوالب اللغوية الجديرة بالتأمل، واحتمالاتها المفتوحة على مصراعيها للإبداع، وضرورة قراءة السطور وما بينها بطريقة مختلفة عما اعتدنا على ترديده كالببغاوات، وأيقظونا من غفلة تاريخ الثقافة المتوحد، على الرغم من شراسة المواجهة مع أولئك الذين طالما ادعوا أنهم أسياد الموقف، وأنهم فيه أهل العلم بلا منازع، وهو ما كان واقعا بنسبة ما وعلى نحو ما، لتعلن المتغيرات والظروف الحالية أن "السريحي" وجيله، قد نجحا في وضعنا على طريق الفكر الجديد شكلا وموضوعا، وأثبتت الأيام أننا قد نجحنا في اختيارات التحول إلى ما بعد، وقراءة المستقبل على الصعيد الثقافي، من النافذة الأكثر تعقيدا.
مؤخرا تصاعدت الأصوات المنادية بإعادة درجة الدكتوراه للسريحي، منذُ أن أطلق صديقنا العزيز الدكتور "فهد اليحيى"، الهاشتاق #أعيدوا_الدكتوراة_للسريحي، الذي أصبح حديث جانب كبير من المجتمع وقضيته، إلى أن نشرت صحيفة مكة نص تسجيل مناقشة تلك الرسالة القضية.
وبغض النظر اعتمدت درجة الدكتوراه للرجل أم لم تعتمد، فقد فات عليهم أن الرجل قد أوصل لغته وثقافته لأجيال كاملة، وأنه من السخف أن تنتظر منهم تلك الأجيال الاعتراف بشيء لمعلم بحجمه وقامته. المزعج فعلا أن المناقشين لم يكونوا يدركون أنهم أمام رجل مستنير بوعي أكبر ربما، أو أنهم يعرفون ذلك ولهم أهداف تكمن خلف إسقاطه، والمحزن أن يكون المناقش استعلائيا فوقيا، يناقش بأسلوب العارف بكل شيء وأي شيء!
هذه العقليات في الغالب تبيد ويذهب ريحها، فهي عقلية أحادية الفكر والتوجه، ولن يكون في استطاعتها التفوق على نفسها، فضلا عن التفوق على غيرها، وعلى الرغم من ذلك أجازت اللجنة بعد المناقشة رسالة دكتوراه "السريحي"، لتتراجع إدارة الجامعة بعد ذلك، وتقرر سحب تلك الإجازة!
سؤالي، إذن ما القرار الذي اتخذته بحق من أجازوا رسالة تمس العقيدة الإسلامية وتقدح فيها؟، لأن الغريب هو أن تُقر نفس الجامعة رسالة الماجستير للشخص نفسه والمنهج نفسه، ولا تجد الجامعة أو مجلس إدارتها حرجا من ذلك التناقض العجيب!
هكذا سيفكر أي عاقل وقارئ جيد لتسلسل الأحداث، لكن ذلك الاستغراب قد يزول عنا، إذا ما عرفنا أن من منع اعتماد درجة الدكتوراه للسريحي؛ هو الفكر المسيطر على تلك الفترة، وما عُرف بـ"الصحوة"، تلك المفردة المراوغة التي حملت بين طياتها أوجُها عدة لمشاريع ونوايا خارج فطرة المجتمع البسيط، تلك المفردة التي حاول المختفون خلفها تجهيل غيرهم، ورميهم في أعقد مآزقهم بالردة والزندقة في محاولة حثيثة لاختطاف كل شيء تقريبا -ولن أجد حرجا من قول كل شيء- وجعلنا نعيش خلف أفكار العصور الوسطى!
ولا غرابة أن تقع المنشآت التعليمية تحت سيطرة هذا الفكر، في ظل اهتزاز ثقة الناس في كثير من الأسماء.
لقد جاءت قضية دكتوراه "السريحي"، لتكون شاهدة على ذلك العصر، شارحة لكثير من جوانبه بكل بساطة وإيجاز وعمق، ومقدمة لنا درسا كبيرا عن كيفية دوران الزمن وانتصار خيارات الحق دائما، وسيظل هذا الرجل العلم بالنسبة لي ولجيلي بمرتبة الدكتور وأعلى، لأن المؤثرون في حياتنا من أمثال الدكتور سعيد السريحي، عظماء بالفطرة بشهادة الزمن، فأعيدوا الدكتوراه للسريحي.