كان الرئيس الأميركي "بيل كلنتون" يقول إن من الأفضل أن يعمل الرجل على إصلاح الفجوات في سقف بيته في الصيف، خلال النهار والشمس ساطعة، بدلا من أن يؤجل ذلك إلى فصل الشتاء، والليل مظلم والمطر يهطل، وكذلك الأمر في الصعوبات الاقتصادية.
قد يكون من المبالغة القول إننا نمرّ بأزمة اقتصادية، ولكن من المؤكد أننا سنصل إلى مستوى الأزمة قريبا إن لم نتخذ إجراءات سريعة لمعالجة عدد من القضايا والتشوهات التي أصابت الاقتصاد السعودي، لتفادي وقوع تلك الأزمة.
وأهم هذه القضايا في نظري هي البطالة، وتنويع القاعدة الإنتاجية ومصادر الدخل الحكومي، وتخفيض الهدر في الاستهلاك المحلي للبترول.
والوقت مناسب لمراجعة سياساتنا الاقتصادية بعد تشكيل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية الذي تمثل فيه جميع الجهات المعنية بهذه الملفات، وبذلك يمكن خلاله تنسيق السياسات الاقتصادية من جوانبها كافة، وهو مناسب كذلك لأن المملكة تتمتّع بموارد مالية عالية تُمَكّنها من معالجة هذه الملفات دون إضرار برفاه المواطن أو بمعدلات النمو الاقتصادي.
أول القضايا وأكثرها مساسا بالمواطن هو البطالة التي ما زالت في مستويات مرتفعة لا تتناسب مع إمكانات الاقتصاد السعودي ومعدلات نموه وكثرة الوظائف التي يوفرها ولكنها تذهب إلى العمالة الأجنبية.
فحسب تقرير مصلحة الإحصاءات العامة عن الرُّبع الأخير من عام 2014، بلغ معدل البطالة بين المواطنين 11.6%، أي دون تغيّر يُذكر عن الربع الأخير من عام 2013، حين كان معدل البطالة 11.5%. وهو مؤشر خطير، يعني أن المبادرات المختلفة التي اتُّخِذت خلال الفترة الماضية لم تنجح في تخفيض معدل البطالة الذي ظل في هذه الحدود خلال السنوات العشر الماضية.
فعلى الرغم من التكلفة المالية العالية لبرنامج "حافز" لم تنخفض معدلات البطالة، ولذلك فقد يكون من الصعب تبرير استمراره خلال وقت تشحّ فيه الموارد وتمر فيه الدولة بعجز حاد في الإيرادات.
وأعرف من خلال مشاركتي في وضع "استراتيجية التوظيف السعودية" أن تخفيض معدل البطالة ليس بالأمر اليسير، بل يتطلب إصلاحات في مجالات عدة تشمل جميع القطاعات الحكومية تقريبا، وإن كان أهمها إصلاح التعليم العام والعالي، وبرامج التدريب، وآليات التوظيف، وقوانين الاستثمار والاستقدام، وهي إصلاحات معروفة وممكنة، ولكنها صعبة، وقد أتت على ذكرها الاستراتيجية بالتفصيل.
والقضية الثانية: هي تنويع القاعدة الإنتاجية، فما زالت صناعة البترول تشكل عصب الاقتصاد السعودي وقاطرته، بصفة مباشرة أو غير مباشرة. فخلال السنوات العشر الماضية شكلت صادرات النفط الخام نحو 87% من إجمالي الصادرات.
وهذا الاعتماد شبه الكلي على النفط يعني أن صحة الاقتصاد معرضة باستمرار لتقلبات أسواق النفط وصحة الدول المستوردة له.
وفي ظل تطوير بدائل للنفط التقليدي، مثل النفط والغاز الصخريين، والطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، فإن المستقبل غير مضمون للدول التي تعتمد على النفط التقليدي.
ويرتبط بهذا الموضوع الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل الحكومي. فخلال السنوات العشر الماضية، شكل دخل البترول نحو 91% من إجمالي الدخل الحكومي، وهو ما يجعل ميزانية الدولة رهينة لدى أسواق النفط، وهي غير مأمونة دائما، فمنذ الصيف الماضي انخفضت أسعار البترول بنحو 60%، ما أدى إلى تخفيض كبير في الإيرادات الحكومية المتوقعة لعام 2015، إذ قدرت موازنة هذا العام الإيرادات الحكومية بـ715 مليار ريال، أي بانخفاض بلغ 32% عن الإيرادات الفعلية لعام 2014 التي بلغت 1046 مليارا، ومن المتوقع أن يؤدي هذا الانخفاض الحاد إلى عجز في الموازنة، يُقدر رسميا بـ145 مليارا، أي بنسبة 17% من حجم الموازنة و5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالطبع فليس ثمة ضرر كبير من وجود عجز مؤقت في الميزانية، إذ يمكن تغطيته من وفورات الأعوام الماضية، ولكن استمراره سيعني استنزاف تلك الوفورات خلال أعوام قليلة.
أما القضية الثالثة، فهي استمرار الهدر في الاستهلاك المحلي للبترول، إذ تستهلك المملكة أكثر من 3 ملايين برميل نفط يوميا، وهو ما يعادل 40 برميلا في العام لكل فرد يعيش في المملكة "في المتوسط".
وبالمقارنة، فإن ذلك يساوي أربعة أضعاف استهلاك الفرد من النفط في الولايات المتحدة الذي يبلغ 9.5 براميل سنويا، وثمانية أضعاف الفرد الياباني الذي لا يتجاوز استهلاكه السنوي 5 براميل.
ومما يثير القلق أن معدلات الاستهلاك المحلي تزداد بنسبة 8% سنويا، أي أربعة أضعاف معدل نمو السكان، وضعف معدل النمو الاقتصادي.
ويشكل الاستهلاك المحلي نسبة متزايدة من إجمالي الإنتاج، وتبلغ هذه النسبة حاليا نحو الثلث، ولكنها قريبا قد تصل إلى النصف إن لم نتمكن من حل هذه المشكلة.
وبالطبع فإن من المستحيل الاستمرار على هذا النحو، لأن ذلك سيعني تخفيض قدرة المملكة على التصدير، وفي النهاية انهيار الاقتصاد كلية، واستنزاف احتياطي النفط خلال فترة وجيزة.
وفوق ذلك، فإن الاستهلاك المحلي للبترول، إذ يُباع بأسعار منخفضة مقارنة بالأسعار العالمية، يعني الضغط على الإيرادات الحكومية بصفة متزايدة، وهو أمر يصعب تبريره خلال فترة عجز الميزانية الحكومية، لأنه يعني استنزاف الاحتياطات المالية خلال وقت قصير.
وقد كتب الاقتصاديون كثيرا عن هذه القضايا الثلاث، والحلول معروفة ممكنة، ولكنها تتطلب اتخاذ قرارات عملية مقبولة اجتماعيا لتطبيقها. وسأعود إلى مناقشة كل قضية منها مرة أخرى، بتفصيل أكثر.