أرجو بدءا أن يتريث قارئي العزيز قبل أن يصدر حكمه أو أحكامه على شخصي وطريقة تفكيري حول ما سأطرحه من آراء وقضايا تتعلق بما يتلقاه أولادنا من الطلاب والطالبات في مدارسنا عبر مقررات ومناهج اللغة العربية بعد تطويرها، وإجراء التحديثات عليها وانتقالها في بنيتها وطرائق توظيفها من نظرية تربوية سابقة إلى نظرية أخرى لن تتسع المساحة للتفصيل فيهما هنا، يتمثل الأمر في الإجابة الصادقة عن أسئلة أوجهها إلى ولي أمر الطالب وإلى التربويين - وأنا أتمتع بحمد الله بالصفتين كلتيهما - فحواه: ماذا وجدت على ولدك من أثر لدروس اللغة العربية بعد التحديث؟ وهل جربت أن تختبر أهم المهارات المتعلقة بالحياة كالقراءة والكتابة والتحدث والاستماع؟ وأي انطباع تولد بعد أن فوجئت أن فلذة الكبد لا يلوي على شيء في هذه المهارات الرئيسة؟ حقيقة ليس من المنطق في شيء الحكم على الأمور دون مقاربتها أو تجريبها، وأجزم أننا جميعا مجربون فما بالكم فيمن يعيشون المعترك يوميا وتتوالى عليهم الصدمات تباعا وبصورة تدعو إلى الأسف والحسرة معا؟

أحد الأصدقاء المهتمين بالأدب العربي سألني: أما زالت المعلقات العشر تدرس في المرحلة الثانوية؟ قلت: ولّى زمانها ندرس الآن مهارات لغوية فحسب، قال: فكيف يحفظ أبناؤنا الشعر الفصيح وتستقيم ألسنتهم؟ قلت: هناك قصائد غيرها لكن التعليم اليوم موجه إلى المهارة المتعلّمة أكثر من المعلومة المحفوظة الملقنة والمتن التراثي القديم، غادرني والدهشة تملأ وجهه، تاركا لي أن أتيه فيما وراء سؤاله، هذا الجيل الذي لم يحفظ بيتا من المعلقات ولا من الشعر العربي عبر عصوره، ولم يتعرض للتدرب على تحليل النصوص ونقدها وإبراز جمالياتها هل يمكن له أن يخرج أديبا أو شاعرا أو مفكرا؟ ولم ننأَ بالطموحات؟ سيرضينا أن يقرأوا ويكتبوا بطريقة صحيحة تضمن لهم أن يعبّروا عن ذواتهم كما ينبغي لابن بجدة اللغة العربية أن يفعل. كنت في برنامج تدريبي قد طلبت أن يكتب المتدربون - وهم طلاب جامعيون - أن يدونوا ما يتمنونه في مستقبل حياتهم ويرجونه، للحق أكثر الأوراق لم أستطع قراءتها ناهيك عن أن أميز جودة أسلوبها، والمصيبة الغاشية أن جلها مكتوب بالعامية الجهوية. يجب أن يعلم أني لا أحمّل أحدا ضعفنا اللغوي اليوم غير أني أرجو ألا نهيم مع ألوان التغيير الخادعة فلا نتقن الجديد وننسى تراثنا الأصيل ثم يأخذنا الطوفان، إن الجيل في حاجة إلى حصانة لغوية تواجه ما تضخه وسائل ووسائط التقنية في مجملها من غث عبر إعادتهم إلى لغتهم الأم وتراثهم العربي المكنون في بطون الكتب.