في كتابي "المنفية" تحدثت عن أسباب خفية لاصطفاف معظم "العلويين" مع بشار الأسد، عزوتها إلى خوفهم المتزايد من "السنة" تحت وطأة إرث مجزرة تاريخية مريعة ارتكبت بحقهم من قبل السلطان سليم الأول "السني" الذي حكم الدولة العثمانية بين العامين 1512 و1520، لتترسخ كذعر تاريخي حملته جيناتهم وذاكرتهم الجمعية، الخائفة من انتقامات جديدة، والمختبئة دوما في ليل الجبال القصية هربا من التنكيل.

ما يجري في سورية والعالم العربي من أحداث ومكائد ومؤامرات تؤجج الانقسام الطائفي والمذهبي، وخوف العلويين المتنامي من السنة في سورية، دفعني إلى البحث والتمحيص حول هذه المذبحة وحيثياتها، لا بل وحول السلطان سليم نفسه. والمضحك المبكي في الموضوع أني وبعد دراسة طويلة أكاد أجزم أن السلطان سليم الأول نفسه الذي قتل العلويين وأبقاهم مختبئين في أوكارهم المغلقة وغذى الذعر في أوصالهم من السنة "هو علوي".

لا أزعم هنا أني أملك الحقيقة ولا حتى نصفها إلا أني فقط ومن باب الوفاء للسادة القراء أضع بين أيديهم بعض ما توصلت إليه من قراءاتي المتواضعة، علها تدفعنا جميعا إلى التفكير والتساؤل والاشتغال على ما كنا نعتقده "مسلمات تاريخية":

حسب المصادر التاريخية فإن السلطان سليم الأول اتهم العلويين الأتراك في الأناضول بأنهم يتآمرون مع الشاه إسماعيل الصفوي للسيطرة على الأناضول ونشر التشيع، فاستبق حملته العسكرية على إيران بسلسلة من المجازر ذهب ضحيتها أكثر من 40 ألف علوي في تركيا وسورية بين 1915 و1920، "وكانت نقطة التحول في العلاقة بين العلويين والدولة العثمانية،" كما يقول الدكتور محمد نور الدين الباحث في الشؤون التركية.

أما كارل بروكلمان في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" فيقول: "الخليفة العباسي المتوكل على الله حُمل إلى إستانبول وأُكره على التنازل عن الخلافة للسلطان سليم. سليم هذا كان أعلن نفسه قبل ذلك خليفة على المسلمين في خطبة الجمعة، وبوصفه خليفة استلم في شهر آب مفاتيح الكعبة آنذاك". وبعد تسلمه الحكم وتعاظم الدولة العثمانية بعد فتح القسطنطينية عظمت الحركة الصفوية في أذربيجان، ما اعتبره السلطان سليم خطرا كبيرا يهدد دولته لا بد من محاربته، وتذكر المراجع أن إسماعيل الصفوي تولى قيادة هذه الحركة وحولها إلى دولة قوية في إيران والعراق، وأنه فرض التشيع على الإيرانيين بالقوة "لغرض سياسي وهو مواجهة الدولة العثمانية السنية"، ويحكى أنه قتل حوالي مليون نسمة من الإيرانيين لإرغامهم على تغيير مذهبهم من السنة إلى الشيعة.

أما الباحث والمفكر العراقي الجميل د. علي الوردي فيروي عن الباحث جون بيرج في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" معلومات صادمة لأولئك الطائفيين فيقول:

"السلطان سليم العثماني والشاه إسماعيل الصفوي كانا كلاهما من أتباع الطريقة البكتاشية. وفي شبابهما كانا جالسين بحضور "بالم سلطان" الشيخ البكتاشي المشهور، فاتفقا فيما بينهما على أنهما حين يصلان إلى الحكم سيسعيان نحو توحيد المسلمين في عقيدة واحدة (البكتاشية). فلما وصلا إلى الحكم كتب إسماعيل إلى سليم يذكره بوعده، فأجابه سليم معتذرا بأن وزراءه سنيون وأنه مضطر إلى التباطؤ في تحقيق وعده. فكان هذا الاعتذار سببا لغضب إسماعيل عليه، حيث وصفه بأنه كذّاب وأنه لا يلتزم بكلمته. ومن هنا اشتد العداء بينهما "ولمن لا يعلم البكتاشية هي طريقة صوفية شيعية ويمكن القول علوية".

وأتابع معكم البحث في المراجع التي تشير بشكل واضح إلى أن "العثمانيين حكموا البلاد العربية تحت غطاء الإسلام، وأن السلطان التركي أعلن نفسه خليفة على المسلمين خلافا للفقه الشيعي الجعفري الذي لا يجيز الخلافة في غير العرب، فيما تعتقد المذاهب الإسلامية الأخرى، أي أهل السنة، خاصة المذهب الحنفي، أنه يجوز للمسلم من غير العرب أن يكون خليفة إذا توفرت فيه شروط الإمامة (الخلافة).. الفقه والعدل والاستقامة.. إلخ....."، ومن هنا يمكن القول إن السلطان سليم بدل مذهبه من التشيع إلى التسنن كي يحوز لقب خليفة المسلمين ويحكم العرب، أي من أجل السياسة لا من أجل الدين أو من أجل طائفة أو مذهب بعينه.

الأمر الآخر اللافت للنظر في الدراسة أن أقوى جيش اعتمد عليه السلاطين العثمانيون هم الانكشاريون، وهم من نفذ المذبحة الشهيرة بحق العلويين، وهم بالأصل علويون، فالانكشارية حركة ارتبطت بالطريقة الصوفية البكتاشية.

وهنا أصل معكم إلى السؤال الورطة الذي ندفع ثمنه غاليا في سورية كما دفع ثمنه الشعب الإيراني الذي استغله إسماعيل الصفوي لتحقيق أحلامه التوسعية: لماذا ارتكب السلطان سليم المجزرة بحق العلويين؟

أنا شخصيا أعتقد أنه أراد القضاء عليهم خوفا من ردة فعلهم إزاء تغييره مذهبه ومذهب الدولة القائم على الصوفية البكتاشية السائدة والمحاربة من غلاة السنة آنذاك، ولأنه كان عنيفا ودمويا شديد القمع والسطوة، وليس كما يقول البعض بأنه خاف من دعمهم للصفويين في إيران وإن كان كذلك فهو تبرير مدهش، لأن الإيرانيين أنفسهم أصولهم سنية، وهذا يعني أن العلويين كانوا سيتحدون مع الإيرانيين ذوي الأصول السنية.

ختاما من يزور تركيا سيتمكن من رؤية التكيات البكتاشية المنتشرة في كل مكان هناك، وسيتلمس في المعالم الأثرية ملامح البكتاشية والتصوف المهيمنين على روح المكان، ومن يقرأ التاريخ سيتعرف إلى أشهر رجال الدولة والجيش والقضاة والمفتين في تاريخ العثمانيين ممن ينتمي معظمهم إلى الطرق الصوفية. إذن، هل كان السلطان سليم الأول علويا؟

أقول وبرأيي الشخصي: نعم.. كان علويا كما كان الإيرانيون سنة قبل إسماعيل الصفوي الذي ذبح مليونا منهم، وحتى لو لم يكن كذلك من المؤسف حقا أن نعيش - نحن العرب والمسلمين - عمرنا في وراثة أحقاد ومكائد ومجازر وألاعيب ارتكبت منذ آلاف أو مئات أو عشرات السنين بهدف السيطرة على الشعوب كما يحدث الآن أيضا، فيما الغرب يسعى إلى حجز مقاعد في الفضاء والكواكب الأخرى، وفيما العالم أصبح على مرمى حجر من وحدة كونية افتراضية.

هو فقط تأمل أردت أن أدفعكم إليه، وكشف لا أدعي امتلاكه، بل فقط أضعه بين أيديكم علّ الأسئلة التي يطرحها تجعلنا ندرك كم من الحمق تصديق كل ما يأتينا به التاريخ دون تدقيق، ودون التنبه إلى أنه ما من تاريخ وصلنا كما هو، فالتاريخ وللأسف يكتبه الأقوياء وقد يكون الأقوياء أشرارا وأوغادا أحيانا.