ما زال العالم يتذكر يوم الجمعة (14 جانفي) الذي بلغت فيه الثورة التونسية أوجها في تنحي الرئيس التونسي حينها، ونجحت الثورة بهدوء نتيجة عدة عوامل أولها مدنية الدولة والمجتمع في تونس ووجود مؤسسات مجتمع مدني ذات تاريخ عريق، من الاتحادات والنقابات والجمعيات، وأهمها الاتحاد العام التونسي للشغل، ولكن ليس آخر عوامل النجاح عدم تدخل الجيش لقمع الشعب، بل ووقوفه معه يدا بيد.
انتهت الثورة التونسية بشكل وردي جعل الشعوب بعض الشعوب العربية تجرب حظها مثل تونس، فاندلعت العدوى التونسية في بعض البلدان العربية، وأهمها مصر وانتهى الأمر إلى تنحي الرئيس المصري، ثم اندلاع ثورات مشابهة في ليبيا وسورية واليمن، وكاد الأمر أن يصل إلى الجزائر من خلال المظاهرات والمسيرات المعترضة على سياسات الحكومة، والداعية في بعضها إلى إسقاط النظام، إلا أن الجزائر كانت ذاكرتها طرية بخصوص حربها التي استمرت عشر سنوات، فكان من الصعوبة بمكان أن يعيد المجتمع المعاناة من جديد.
يعيش العالم العربي اليوم مرور أربعة أعوام على ثورات "الربيع العربي" التي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك المثل القائل "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، بل جعلته أمرا واقعا معاشا، وفي هذا يقول فيلسوف الاجتماع الأميركي (إريك هوفر): "إن ما يحض الناس على الثورة ليس المعاناة نفسها، بل تجربة حال أفضل"، وقد جربت بعض المجتمعات العربية حظها مع الثورة مرتين، في أنموذجين من الثورة، الأول بدأ منذ الخمسينات حتى السبعينات من القرن الماضي من خلال انقلابات عسكرية وصفت بأنها ثورات، وتم تقديسها بشكل لم يكن يقبل القسمة على اثنين، بعد قيام مجموعات من كبار ضباط الجيوش في بعض الدول العربية بالانقلاب على نظم الحكم المدني، الملكي والجمهوري، بمبرر التخلص من "الرجعية" السياسية، إلا أن واقع الحال أثبت أن تلك الانقلابات أسهمت في "تراجع" الحال بمراحل عن المرحلة التي سبقته، وكمثال واضح عربيا على هذا الأمر، نجد أن مصر والعراق وسورية وليبيا نماذج لذلك التحول الذي سمي بالثورة، بينما هو إنهاء نظام وقيام نظام آخر أشد وطأة منه.
أما ما عاشه العالم العربي منذ 2011 فهو حالة معاكسة، يجوز وصفها أنها محاولات انقلابية ذات طابع مدني على نظم الحكم العسكرية، خاصة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، وكان فيها البديل للزخم الشعبي هو التيارات الإسلامية المتمثلة خاصة في حركة "الإخوان المسلمين" التي هي الأكثر تنظيما وخبرة سياسية تراكمت عبر العمل السياسي المعلن أحيانا والسري غالبا منذ ثمانية عقود، مما جعلها ترث هذا الزخم الشعبي سياسيا.
اللافت في "الربيع العربي" أنه تجربة مرت على بعض الدول العربية بصعوبة - ولكنها مرت - على كل حال، إلا أنها في دول أخرى مثل ليبيا واليمن وسورية لم تمر مرور الكرام، بل مرور اللئام، حيث إن الخاسر الأول هو المجتمع بعد أن أضحت الدولة التي يتصارع الجميع على السلطة فيها غير موجودة، بعد انهيار مؤسساتها المدنية والعسكرية والسياسية في ظل عدم وجود مجتمع قوي يحل محل هذه المؤسسات، وبالتالي وجود حالات استقطاب دولية حادة، استحال فيها الصراع السياسي إلى قتال حقيقي مدمر، لا يعرف رأسه من أخمص قدميه، ولا تعرف دوافعه وأسبابه، مما يجعل هذه المجتمعات تنتقل من الانضواء تحت لواء الدولة إلى ألوية المنطقة والجماعة والقبيلة والطائفة والعرق، وهذا هو التقسيم الحقيقي الذي حل بهذه المجتمعات العربية التي تعي اليوم أنها خسرت كل فرصها، إذ خسرت العصفور الذي في اليد بعد أن طمعت بعشرة عصافير على شجرة في الربيع، لكنها طارت.. مما جعل هذه المجتمعات ترجع صفر اليدين!