كما هو معلوم أن فكرة الفوضى الخلاقة، فكرة جهنمية طرحها اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف في الولايات المتحدة، من أجل تفكيك وإعادة ترتيب وضع المشرق العربي، وتستهدف إشاعة الفوضى فيه من أجل إسقاط أنظمته الحاكمة، عن طريق التحريض ومن ثم نشر الفوضى في المنطقة. والتي من رحمها -كما يهدف له المخطط- ستحل أنظمة أصغر حجما وأقل خطورة على أمن إسرائيل والمصالح الأميركية والغربية بشكل عام لاتقاء شرور العرب والمسلمين التي بدأت تهب على الغرب وتقض مضاجعه وتهدد وجود إسرائيل.
في مقالي السابق تناولت انتقال المنطقة العربية من إدارة التوحش إلى توحش التوحش، مع أن الفوضى الخلاقة هي التي مهدت للفوضى وعليه لإدارة التوحش ليتحول إلى توحش التوحش.
فكرة الفوضى الخلاقة التي ترمي إلى تفتيت الدول العربية لدويلات أصغر بكثير مما هي عليه الآن، أتت كإعادة تقييم لنتائج معاهدة سايكس بيكو التي وقعت عام 1916، بعد تفاهمات سرية جرت بين فرنسا وبريطانيا العظمى، بمصادقة الإمبراطورية الروسية عليها، وتنص على اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وطرد قواتها بالكامل من المشرق العربي، وإحلال قوات احتلال بريطانية وفرنسية مكانها في المنطقة.
تم الكشف عن الاتفاق السري لتقسيم المشرق العربي الذي تم بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، والتي بموجبه تم تسمية الاتفاقية "سايكس بيكو"، 1917، عندما تولى الشيوعيون الحكم في روسيا، والذين بدورهم سربوا معلومات الاتفاقية للسياسيين العرب حينها، والذين بدورهم كانوا أضعف من أن يفعلوا شيئا تجاهها، وإنما محاولة التعايش معها، وكسب ما يستطيع كل منهم حصته من التقسيم الجديد.
بعد "سايكس بيكو" بسنة، أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور وعده المشؤوم الذي بموجبه منحت بريطانيا العظمى فلسطين للعصابات الصهيونية الأوربية. وفي الوقت نفسه تم سلخ لواء الإسكندرونة من سورية وأجزاء من شمالها، وضمها إلى تركيا أتاتورك مقابل سكوت تركيا عن المشروع، وعدم إفساده بدعم القوميين العرب المناهضين لـ"سايكس بيكو" بالمال والسلاح. إذا فـ"سايكس بيكو" أتت معبرة عن هدفين استراتيجيين، تثبيت المصالح الإمبريالية والاستعمارية الأوربية في المشرق العربي، والهدف الثاني الذي لا يقل أهمية وخطورة عنها بالنسبة للغرب الأوربي، هو زرع الكيان الصهيوني في المنطقة ليكون قاعدة استعمارية غربية متقدمة في المشرق العربي لحماية مصالحها والذود عنها.
هنالك هدف ثالث خفي، لم يتم الانتباه إليه، وهو إشراك تركيا في غنائم تجزئة الجسد العربي، ليس فقط للسكوت عنها حينها ولكن حتى تكون أحد حماتها لاحقا، إذ أصبحت قاعدة متقدمة لحلف الناتو في المنطقة. وهكذا تم خلق كيانات عربية تحت إدارة المستعمر الأوروبي، والتي استقلت لاحقا على مقاس "سايكس بيكو"، وأصحبت أمرا واقعا، فرضت نفسها، وعليه اعترف بها الجميع، القيادات ومن ثم الشعوب.
أميركا حينها برئاسة الرئيس وودرو ويلسون، لم تكن راضية عن "سايكس بيكو"، لأنها تمت دون أخذ رأيها، خاصة أن مصالح شركاتها النفطية التي أخذت تستثمر في المشرق العربي، أصبحت مهددة بالنفوذ والقيود البريطانية والفرنسية التي ستراعي مصالح شركاتها النفطية على حساب الشركات الأميركية.
وعليه تراجع الأميركيون عن التدخل في المنطقة إلا في حال تعرضت شركة من شركاتها النفطية لمضايقة من الشركات الأوروبية، حينها تتدخل بالضغط على الحكومات الأوروبية لعدم التعرض لمصالح شركاتها.
بين الحربين العالميتين 1919 – 1939، كرس الاستعمار الأوروبي وجوده في المنطقة العربية وكانت أميركا خارج اللعبة، وفي هذه الأثناء خرجت قيادات قومية عربية قادت ثورات وانتفاضات ضد الوجود الأوروبي في المنطقة، وطرحت مفهوم القومية العربية والوحدة العربية.
بعد الحرب العالمية الثانية 1945، نجحت كثير من الدول العربية في نيل استقلاها وتم إنشاء الجامعة العربية، ولكن في الوقت نفسه تم خلق الكيان الصهيوني، ليصبح دولة مستقلة كذلك، تحمى بالمظلة العسكرية الاستعمارية الغربية.
وفي عام 1948، نشبت الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، ودار صراع حامي الوطيس بينهما للسيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم، ولم تنشب بين القطبين حروب مباشرة، وإنما ما عرف بالحروب بالوكالة. ومن المناطق الاستراتيجية والحيوية في العالم حينها كان الوطن العربي، ليس فقط لموقعه الجغرافي المتوسط للقارات القديمة وخطوط تواصلها واتصالاتها، وإنما لظهور كميات من احتياطات النفط الهائلة في المنطقة التي كانت تحت سيطرة الشركات الأميركية والأوروبية. ولذلك حرصت الدول الغربية على الحفاظ على الوضع "السايكس بيكوي" القائم في المنطقة، ومحاولة حفظ الأمن فيه حتى لا تتسلل المصالح السوفيتية إليه، ولكن في الوقت نفسه، عدم ظهور أي قوة عربية ممكن أن تهدد المصالح الغربية في المنطقة وتكون خطرا على قاعدتها الاستراتيجية في المنطقة، وحتى تضمن الدول الغربية أن الوضع العربي الهش الذي تعمدت وجوده بهذه الصيغة الهشة، لا يسمح بتمدد القوة السوفيتية للمنطقة، قامت بدعم ثلاث دول غير عربية، وقوتها وجعلت منها قواعدها الأمامية للوقوف والتصدي لأي تسلل سوفيتي إلى المنطقة، وهي إسرائيل وتركيا، وإيران الشاه.
والعدوان الثلاثي على مصر 1956، خير دليل على ذلك، وفك الوحدة بين مصر وسورية عام 1961 وحرب النكسة على مصر 1967 التي بموجبها تم تعطيل أو تأجيل بروز مصر كقوة عربية إقليمية، جعلت اليد الطولى في المنطقة العربية لإسرائيل والغرب، دون منازع؛ فضلا عن رادع.
وتم إخراج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل، نهائيا في 1977، عندما تم توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل بضمانة أميركية، ما أطلق يد إسرائيل للعبث في المنطقة وبلا رادع.
فغزت إسرائيل لبنان عام 1982، وضربت القوى القومية فيه، وأخرجت التنظيمات الفلسطينية منه. وقبلها نشبت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980- 1988، بين العراق وإيران، استنزفت كلا القوتين، مما أعطى إسرائيل حرية الحركة في المنطقة والعبث بكياناتها في لبنان وفلسطين المحتلة.
وكان النظام في إيران، قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية بسنة، قد تغير بثورة شعبية عارمة، أطاحت بحليف الغرب شاه إيران، وأتت بقوى معادية للغرب ومصالحه في المنطقة.
في بداية الثمانينات أصبح هنالك يقين في الغرب، خاصة في أميركا أن الاتحاد السوفيتي آيل للتفكك، وأن أميركا ستكون القطب الأوحد في العالم، وعليه يجب أن تستعد لذلك.
وهنا في عام 1983، قدم المستشرق الصهيوني البريطاني برنارد لويس للكونجرس الأميركي خطة لإعادة تقسيم المشرق العربي، ليس على مقاس "سايكس بيكو" التي لم تكن الولايات المتحدة طرفا فيها، ولم تُراعَى مصالحها، وإنما على مقاس جديد يخدم المصالح الأميركية من جهة، ومن جهة أخرى، يجعل من إسرائيل القوة الكبرى والمهيمنة على المنطقة.
إنها كما أسماها: خطة الشرق الأوسط الجديد التي تعتمد على ما سمي بالفوضى الخلاقة كوسيلة للوصول إلى المخطط.
هذا ما سأناقشه بالتفصيل في المقال القادم.