بداية هناك أناس يميلون بطبيعتهم إلى الظلم، ومرضى من دواخلهم لدرجة الحقد والعدوان، ويختلفون في درجة العدوان على غيرهم وشدته فقط! هؤلاء المرضى لا مجال للحديث معهم أو عنهم لأنهم في حاجة إلى عقاب رادع أو علاج أو لكليهما!

في فضاء الحياة حين نصادف هذه النماذج سنكون ضحايا لسوداويتها وساديتها، فنتلقى منهم التهم ونجد أنفسنا مضطرين إلى الدفاع عن نقاء ذواتنا أمامهم، نقسم تارة لهم ونستعطفهم تارة أخرى دون جدوى، بينما أبسط حقوقنا أن نطلب منهم التوقف عن بث سمومهم أو أن نغادر المكان ونتركه لهم حتى لا نبقى مستضعفين في الأرض!

لو أن الفئة السابقة أصبحت هي المؤثرة فينا المتحكمة في حياتنا أو موتنا بعبارة أدق حرفيا ومجازيا - والثاني أشد الموتين – فما الذي سيحدث لنا؟!

لننزل إلى أرض الواقع ونجد في المتصارعين على الأرض العربية من هذه الفئة وكمثال "داعش" التي طبقت على الأرض ما سبق ذكره ففرضت رؤيتها السوداوية للحياة التي جعلت الحياة قصاصا من الأحياء بل والحياة ذاتها لا ينتهي أبدا، فجمعت الشامي على المغربي وضمت الغربي إلى العربي، ونقلت شبابا من بلادهم لتمنحهم حياة أقرب لحياة أكلة لحوم البشر، لا تزهر إلا في الدماء ولا ينطقون إلا بتهديد ووعيد وانتقام، وبقينا نسأل من أين أتت "داعش"؟!

وتباينت تعريفات الإرهاب حتى أصبح عند الغرب حجابا ونقابا يقتل من ترتديه!

ومع هذا وفوقه هناك آلة إعلامية قوية تدافع عن القتلة من الداخل والخارج في كل مكان وبلا استثناء!

وحين تحدث جريمة بشعة ويستنكرها الناس المسالمون كتهجير وقتل الإيزيديين أو نحر الأقباط أو المسلمين سنة أو شيعة، تجد الفئة الثانية التي تدافع عن القاتل أو تذكرك أن ما حدث هو ردة فعل على اعتداء سابق!

وهنا لنتوقف قليلا، فحين ينحر شيعي سُنّيا أو العكس ويرد أحدهم بقتل القاتل ونحره بذات الطريقة فالتبرير مقبول من باب العين بالعين، لكن حين نرضى بمهاجمة المسالمين من نساء وأطفال وشيوخ وذبحهم أو سبيهم بحجة أن نساءنا وأطفالنا تعرضوا لنفس المصير فهذا ظلم بيِّن لا جدال فيه!

الذي نراه على الأرض يحقق شعار "داعش" الأسود "باقية وتتمدد". من القصص التي سمعتها حديثا قصة شاب قربه معلمه وبدأ باصطحابه في رحلات بريئة ثم بدأ يغدق عليه المال فانتبه الأهل وأبعدوا الشاب عن المعلم وفروا بابنهم فرار المجذوم من الأسد!

وعي الأهل حمى هذا الولد، ولكن غيره ما يزالون عرضة للتغرير والانجذاب فـ"داعش" تقدم نسخة من الإسلام توهم السذج أنها النسخة الوحيدة الأصلية منه! دعونا نتمسك بفكرة سأعود إليها في نهاية المقال لماذا سهل استدراج هذا الصبي في البداية؟!

الآلة الإعلامية القوية المدافعة عن الجرائم التابعة لكل القتلة تأخذ في واقعنا العربي مظاهر متنوعة، فهناك من يدافع عن سلام وطنه ومن باب أن العيش الآمن إلى حد ما، أفضل من الفوضى الطاغية على وطنه. بعض هؤلاء يبادرون بالهجوم على دول الجوار ويحملونها مسؤولية الفوضى متناسين أن الصراع انطلقت شاراته وشرارته من أوطانهم، وأن من جاء لهم لاحقا جاء بعد أن تعالت صيحات استغاثة مبهمة كانت سببا في تورط بعض الأبرياء من صغار السن وهم قلة وليسوا كثرة بالمناسبة.

ومن العرب من ينطبق عليه ما غرَّد مالك نجر في 17 فبراير (اقطع رقبة إنسان واحرق آخر في قفص وسيقول البعض: "مسكين مغرر به" قل إن الموسيقى لا تؤذي أحدا وسيقولون: "قاتلك الله أيها الزنديق الملعون"!)

ما الذي صنع هذا التباين بين ما يعد ذنبا وما هو جريمة حتى تلبست الأخيرة بالجمال وتشوه الفن بالقبح والكفر؟!

من علامات التشوه الفكري أن تكال التهم للمخالف من باب زنديق، رافضي، علماني، ليبرالي، عدو الدولة والدين، ويختتم المهاجم بقوله (لقد ألقمتك حجرا)!

في ثقافتنا العربية اليوم سياق لغوي غريب قبيح كشفت عنه عبارات بعض المعلقين الملاحقين لأفكار غيرهم مهاجمين ومتهمين هو أقرب إلى البنية التحتية لتصريف المياه. رائع أن تخفى عنك وتسير فوقها لكن لو فاضت في طريقك فستؤذيك بنتنها بالتأكيد، لأنها لا تجيد إلا ذلك!

هذا السياق ستجده يظهر بالشتم والقذف واللعن وفاحش الكلام وبذيئه فيدافع عن قضية قد يكون على حق فيها أو يملك وجهة نظر تستحق الاحترام لكن سوء منطقه يقتل حقه في الدفاع والاحترام، ولا تملك إلا الابتعاد عنه!

لو عدت إلى سؤال: لماذا يسهل التغرير بالشباب؟ أقول: إن هناك فراغا يرافق الشباب وخوفا من التفكير وقراءة الفلسفة واعتمادا على النقول يمنع الشاب من الوعي بالمخاطر المحدقة به واتخاذ قراره الصائب بنفسه. فلنعلم أبناءنا ونربهم على رهافة الحس حتى لا يجد الظلم طريقه إلى عقولهم الصغيرة الفارغة من الجمال، فلا بد أن نثري جوانبنا البيضاء بأن نعطي للفنون الجميلة حقها، فنمنح الرسام ريشة وألوانا، والفنان مسرحا، ونشتري للكاتب قلما، لنصبح أكثر إنسانية.