لا بأس أن تقول: إن الأرض مجوفة وإن أشباه بشر يعيشون في تجويفاتها. لا بأس أن تقول: إن الأرض مسطحة كقرص "التميس". لا بأس أن تقول: إن الأرض ثابتة لا تدور وإنها إن كانت تدور فسنشعر بالغثيان. لا بأس أن تقول: إن النجوم هي أعين الأموات الذين يراقبون أحباءهم على الأرض. لا بأس أن تقول: إن الشيطان كائن يبيض. لا بأس أن تقول كل هذا الهراء لكن لا تختم قولك بالتكبير والتسبيح.

من حقك أن تنتحر عقليا، لكن ليس من حقك أن تنحر العلم باسم الشرع. الله أعلم بأن رأيك بشري معيب مُعتل ناقص على الدوام، هذه ميزة فيك وليست خللا، يأتي الخلل حين تعتقد بأن رأيك يجب ألا يكون معتلا بأي حال، حينها لا مجال أمامك إلا أن تتحدث بالنيابة عن كل شيء دون وعي أو علم أو دراية.

إن العقول في مواسم القحط الفكري تهاجر كما تهاجر الطيور، وإن عقولنا اليوم قد هاجر بعضها إلى الغرب وبعضها الآخر هاجر إلى الأمس، وبكيفية ما حدث أننا أصبحنا نحتقر ما توصل إليه الغرب مستدلين بما توصل إليه السلف، فلم نتعلم من الغرب شيئا ولم نقتد بالسلف في شيء!

أفكارنا اليوم باتت هجينا مشوها منسلخا عن الأمس ويحاول الانسلاخ عن اليوم.

إن هذا الهجين الفكري المشوه هو نتيجة منطقية لعمليات تسفيه العقل الممنهجة التي جعلتنا ننتهي إلى شتم المخالف بأنه متفلسف عقلاني متمنطق!.

إنه نتيجة لافتتاننا بمنظر ذلك العالم الذي يجلس في المنتصف وتحيط به حلقات من طلبة العلم الذين يسمعون بخشوع تام لكل كلمة تخرج منه وكأنها الوحي، نتيجة كذلك لأننا غير منتجين إنما منتظرون للغلال أن تأتي بنفسها، مما سبب لنا بلادة فكرية، والأسباب كثيرة.

في الأخير، انتهينا إلى الاعتقاد بأنه يحق لمن شاء أن يبحلق في السقف ليخرج بنظرية أن الأرض ثابتة بدلالة أن الطائرة تذهب إلى الصين ولو أنها تدور فعلا لجاءت الصين تحت الطائرة!

تستمر البحلقة في السقف لتتوالى النظريات سقوطا فتخرج باهتة لا هدف منها إلا تكذيب كل شيء، لم يصل أحدهم إلى القمر، لم يتم تصوير الفضاء، "فيليكس" لم يقفز في الحقيقة، الأرض لا تزال مركز الكون.

نعم، يحق لمن شاء أن يقول أي شيء شرط أن يكون قوله مدعوما بمنهج علمي يتفق عليه الباحثون في العالم، فإن لم يكن المنهج العلمي مقدورا عليه فالالتزام بالمنطق أضعف الإيمان، وإلا فكل الأقاويل ستكون بلا وزن، مجرد دردشات يستمتع بها الإنسان كما يستمتع بقراءة الصحف الصفراء أو قصص "سوبرمان" أو الذهاب إلى السيرك أو قراءة الكف والفنجان.

وإن أحد أهم مسببات هذا "الاستعباط الفكري" هو النظام التعليمي الذي يتناسب مع أساليب تشويش العقول، إنه نظام تعليمي معد لتخريج موظفين لا باحثين، وطالما هذه هي الغاية فلا معنى لكل هذا الحشر، لأن المعلومة ستُلقى في نفس المكان الذي تُلقى فيه الكتب فور انتهاء الدراسة.

إن الجاهل ليس من لا يقرأ ولا يكتب، إنما هو من تعلم جيدا ألا يقرأ ولا يكتب إلا وفق المقرر، تعلم أنه من الخطأ أن يُبدي رأيا أو يطرح مفهوما مخالفا للنهج المقرر عليه.

نظام تعليمي في إحدى مقرراته الدراسية "فقرة" تشرح نظرية التطور أنها نظرية تقول إن الإنسان بدأ بجرثومة صغيرة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرج إلى ضفدع، فسمكة، ترقت مع الوقت إلى قرد، ثم ترقى هذا القرد وتمدن فصار إنسانا!

بناء عليه قم عزيزي الطالب بتلخيص عيوب نظرية التطور في سطرين!، وطبعا سيقوم الطالب بتلخيص عيوب النظرية في سطرين لأنه في الأساس مجرد ناقل هنا لمعلومة حفظها من الكتاب كي يحشرها في موضع آخر من الكتاب في حال طُلِب منه.

كذلك من مسببات هذا الاستعباط الفكري هو نظام العنعنة -عن وعن- حتى أصبحنا نُعنعِن أكثر مما نتكلم، إن الخطأ هنا ليس في من يُنقل عنهم، إنما في أننا لا نعرف أنفسنا إلا أننا ناقلون عنهم، إننا نُخبئ تخلفنا خلف آرائهم، ولا فرق هنا بين من يُعنعِن شرقا أو يُعنعِن غربا، لا فرق بين من يستشهد بـ"ابن تيمية" ومن يستشهد بـ"ديكارت" فكل هذه العنعنة لا هدف منها إلا إخفاء تهافت آرائنا قدر المستطاع.

لقد بحث عقلاء اليابان عن سبب تعرضهم للهزيمة في الحرب العالمية الثانية، فاستخلصوا إلى أن القنبلة النووية لم تكن سبب الهزيمة، إنما السبب الذي عرضهم للهزيمة مبكرا أنهم قاموا بتنحية "المعامل والمختبرات" جانبا، واليوم علينا الاعتراف بأن سبب هذه الموجة من الاستعباط الفكري أننا قمنا بتنحية المعامل والمختبرات والبحوث العلمية، واكتفينا بمضغ المعلومات السريعة التي تخرج من معامل الغرب ومختبراتهم، وخلطنا معها مآثِر على عجالة، ثم أخذنا نبصق باللاءات في كل اتجاه.