لا يمكن اعتبار إعجاب الجمهور والنقاد الفرنسيين والعالميين بفيلم "تمبكتو" للمخرج الموريتاني عبدالرحمن سيساكو وفوزه بجائزة "سيزار" لأول مرة، كمنتَج سينمائي أفريقي، في الاحتفال السنوي للأكاديمية الفرنسية للفنون والسينما سوى هزيمة نكراء، مجددا، لنا نحن العرب.

سبع جوائز حصل عليها العمل الموريتاني: أفضل فيلم، أفضل سيناريو، أفضل مخرج وموسيقى ومونتاج وتصوير، وأفضل تقنية صوت، وكل من تابع العمل أكد موهبته الفنية العالية، وقدرته على معالجة مواضيعه الفكرية بلغة بصرية متقنة، وهذا أمر يحتسب لـ"سيساكو" الذي دفع بسينما بلاده إلى العالمية، وعلى الرغم من شكوكي المتفاقمة بتسييس الجوائز الممنوحة للدول التي تعاني ضيق الحريات أو الحروب أو الثورات بعيدا عن القيمة الفنية، جاء تمبكتو مخيبا لظنوني وتمكن من انتزاع الاعتراف بأحقيته فنيا وإبداعيا قبل الأحقية السياسية أو ما يسمى جوائز "الشجاعة".

في الدورة الأخيرة لمهرجان "كان "السينمائي لم يصل إلى قائمة الترشيحات للأوسكار سوى "تمبكتو" بعد استبعاد أربعة أفلام من مصر ولبنان وفلسطين والعراق، ورغم أن الفيلم فرانكوموريتاني وصناعه لا يتقنون العربية كحال معظم قاطني المغرب العربي، إلا أنه حفظ ماء وجهنا .

كل هذا يبدو جيدا لمن ينشد حضورنا العربي في المحافل الثقافية والإعلامية الدولية وصالات السينما، وقد يكون هذا صحيحا لولا قيمة العمل: التطرف الديني، فمن المفجع حقا أن تتكرس جوائز المسابقات الكبرى ذات الصدى، فقط، لإمساك المشهد العربي من قفطانه المهترئ، من عنقه الملتوي، من يده التي توجعه، و نقطة ضعفه، وأن نسهم نحن أنفسنا في اقتطاع الجزء الذي يغوي الغرب من الصورة ثم التأسيس عليه، تماما كما حدث عندما تناولت الصحافة الغربية مشهد المعارض الإسلامي "المجنون" آكل القلب في سورية، وتناست آلاف القلوب التي ابتلعتها الآلة الأمنية هناك.

الفيلم الذي يصور الجحيم الذي تعيشه مدينة "مالي" بسبب عنف ومحظورات الجماعات المتطرفة التي تمنع الموسيقى والتلفزيون، كما تحرم على الشباب لعبة كرة القدم، رسخ مجددا لفكرة "الإسلاموفوبيا" ولا يمكنني إطلاقا أن أفصل حصوله على الجائزة عن هذا المسار مهما علا شأنه فنيا، لأن الفكرة ببساطة ومرة أخرى مرغوبة جدا لدى المشاهد الغربي.

ألا يوجد أي ملمح لنا نحن العرب يمكن تناوله في الأعمال الإبداعية سوى الجماعات المتطرفة دينيا، أليس الاستبداد السياسي للأنظمة العربية تطرفا؟ أليس الغزو الفكري العالمي لنا ومحو حسنات ماضينا وحاضرنا تطرفا من نوع آخر؟

أليس إعدام المرأة العربية فكريا في الغرب لارتدائها الحجاب تطرفا؟

أليس وضع البيض العربي والإسلامي كله في سلة واحدة بنظر الغرب تطرفا؟

أليس تحكم أميركا في مسارات شعوبنا ووأدها للثورات العربية تطرفا؟

أليس تجاهل المعتقلين السوريين في السجون وجرائم النظام ومعاناة أطفال المخيمات تطرفا؟

ثم، أليس الدفاع وحماية إسرائيل من العقوبة على جرائمها المتكررة بحق الفلسطينيين تطرفا؟

المفجع، والمفجع جدا، أن موضوع الإرهاب والتكفير أصبحت جسرا لامتطاء الجوائز وكليشة للشهرة دون أن تكون قبل ذلك رغبة في الإصلاح والتغيير، ولو كانت كذلك لتحدثت أولا عن التورط الكبير للغرب في خلق وتعزيز هذه التيارات، ولا سيما أميركا، فالقاعدة صناعة أميركية بامتياز.

لا أتوجه بالهجوم إلى "تمبكتو" وحده هنا، لأنه على الأقل ممتلك ناصية أدواته السينمائية، بل لمؤسساتنا الثقافية كلها، وكم كنت أرغب حقا في رؤية أعمال عربية تعالج قضايا التطرف بجدية ونزاهة وعمق دون غايات دعائية ومهرجانية، أعمال تعالج الأسباب ووسائل الشفاء والعلاج ولا تكتفي فقط بعرض المرض.

يشفع لـ"سيساكو" أنه قدم منجزا فنيا متميزا من ناحية الأدوات اللقطوية، وأنه التقط مسارات الضوء على الرغم من عتمة التكفير، فقط كان عليه أن يشير إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى هنا. ربما لم يكن لينال الجائزة حينها.