دعيت ذات يوم إلي الرياض لحضور مناسبة ثقافية شائقة طالما تمنيتها، دلفت إلى مكتب تأجير السيارات، بحثا عن وسيلة نقل تريحني من فوضى وجنون سائقي "الليموزين" وروائحهم الكريهة، سلمت على ذلك الكائن الجالس خلف المكتب الوثير، فرد بحفاوة بالغة وما تيسر من بشاشة وطلاقة محيا، مسيجة بابتسامة مفعمة بنشوة الاحتفاء وفرح اللقيا، سألت مضيفي الكريم عن إمكانية حصولي على "سيارة" لمدة أسبوع أو أقل، فرد بكل بساطة وأشار إلى ذلك السرب من المركبات التي تكتظ بها الساحة وقال: ما عليك إلا اختيار مبتغاك وما يميل إليه مزاجك من اللون والحجم والأناقة، شكرته ونثرت أمامه كل البطاقات والوثائق والإثباتات، ولكنه لمح العمر وتاريخ الميلاد وتأكد له أن "زبونه" متقاعد، هنا تحول صاحبي إلى فوهة مدخنة ثائرة، واعتراه الذهول وكأني أشعلت موقد الشواء في داخله، تبلدت ملامحه واحمرت عيناه، استلقى على مكتبه كالمحتضر وارتعش كصاعقة في كوم رماد، وبدأ كالمحموم يعيد لي متعلقاتي واحدة بعد أخري، وظل يردد كالملسوع متقاعد... متقاعد، ظننت لحظتها أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن صنفا المتقاعدين ضمن الجماعات الإرهابية المحظورة، ولكن الواقع كما فهمت أن المتقاعدين ممنوعون من "استئجار السيارات".

هنا وقفت منكسرا علي سلم ذلك المكتب الجائر، والتفت خلفي لأنعي أربعين عاما قضيتها في التربية والتعليم، ولم تشفع لي بالحصول علي وسيلة نقل ترافقني لخمسة أيام فقط، احتميت بظلام الشارع الصاخب بالبشر، وحملت وجعي المنهك وأنا أتوكأ ظلي، لأعبر الطريق كضوء شحيح، كنت أصغي إلي وقع خطواتي المرتبكة وكأنها تلامس أنياب الأفاعي، وتدوس علي وسائد الخيبة، ما أثقل العمر وما أضيقه وأنت فيه مشروخ الذات، لا تري إلا وحشة دربك وحطام الغروب المدلهم في أعماقك، وارتعاشة الأيام الراكضة في غفلة من الزمن الضرير داخل جسد يتهاوي كرداء قديم، تري ما الحال لو تطاولت رغباتك إلي مطالب متعالية، وأحلام طوباوية وأمنيات محفوفة بالأمل والمسرات؟ يقول الشاعر محمد عفيفي مطر: "تحكي الأرائك والكراسي والتحف_ قصصا عصارة عمرنا فيها فتصحو الذكريات_ وتدور بي وتدور حتي تستقر علي طريق المستحيل_ أيامنا ورق يموت علي طريق المستحيل" ويقول الشاعر محمد المقدادي: "نصف عمري أنادي وليست تجيب أيهذا البعيد القريب_ لطوفان عينيك تنهض من آخر النبض أشجارنا وترحل بين فضاءين متصلين كأني بهذا الجسد_ قد تراقص حينا وحينا همد" ويقول الشاعر محمد التهامي: "صحوت أبحث عن نفسي فأذهلني_ أني علي الأرض حيث الأرض ترفضني_ فرحت أوقظ نفسي وهي ذاهلة_ ورحت أبحث عن ساقي لتحملني_ أكاد أصرخ في قفراء عاوية_ ياليتني في حساب العيش لم أكن".

حقا.. إن المتقاعد إنسان مات حيا!