ساعد الإنترنت على تنامي بعض الظواهر السلبية كالتشهير مثلا، بل إن البعض يستسهل إلصاق أي صفة سيئة بشخص ما، ويساعد في ترويجها ضده كشخص مفسد، حتى وإن كانت تستند على معلومات خاطئة، أو كان لها دوافع سياسية أو دينية أو شخصية يضع المشهر نفسه فيها حكما، وبما أن "العيب" يأخذ اعتباراته الثقافية في المجتمع، فإن هذا التعامل أشد إيلاما، حين يعطي التشهير صورة نموذجية عن الشخص المشهر به، وهي لا تقتصر عليه لشخصه، إنما تطال اسمه وذويه وكل من ينتمي إلى عائلته، الأمر الذي يجعلهم عرضة للدونية والنبذ الاجتماعي.

إن تنامي ظاهرة التشهير دليل على ضعف الرقابة والوعي بمفهوم الإدانة لمثل هذا الفعل الشنيع، وحينما يطلق المشهر حُكما ضد شخص ما ثم ينشره بين الآخرين، وكأنه يطلب منهم المشاركة في حكمه واستيائه، فضلا على أن إطلاق الأحكام ليس حقا يمكن أن يحظى به أي شخص، وهذه الطريقة من السبل التي تنشر الكراهية والإقصاء ومصادرة الحريات، وتداول هذه السلوكيات تعكس مدى التلذذ بالفضيحة وكشف أسرار الآخرين. وسأفترض تفسيرا لهذا، فالمجتمع يتعامل مع الفرد وكأن وقوعه في الخطأ أمر غير مبرر وغير طبيعي، فيبقى متطلعا للغير حينما يقع في أخطائه ويتعطش لمعرفة الكيفية في ممارسته لها، وقد يصعب على المشهر به تصحيح سلوكه إن كان على خطأ حين يتحول هذا الفعل إلى صفة ووصمة عار، بل ربما يكون الوصم الاجتماعي وسيلة لتكرار المشكلة إذا كان المتضرر سيتمرد على نفسه وعلى نظرة الناس من أجل إثبات ذاته، وهذا ليس شأنا تربويا، إنما انتهاك للكرامة الإنسانية.

سنتفق على أن المفسد يشكل خطرا على نفسه وعلى المجتمع، ولكن إذا كان الفرد يعمل في شأنه الخاص فهذا أمر، وإن كان فيما يفعله إضرار بالآخرين فهذا أمر آخر، ونأمل من المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي إنكار قضية التشهير، والتأثير الإيجابي على فكر الأفراد في حين تداول المعلومة، فليس التشهير من الأحكام السهلة التي يمكن لأي شخص أن يمتلك الحق في إطلاقها ومحاسبة الآخرين عليها، إنما هناك إجراءات من قبل الجهات المختصة والمعنية بالتحقيق وإثبات التهم ومن ثم الإدانة والتعامل مع المفسد حسبما تنص عليه القوانين والعقوبات الجنائية، ومن يضع لنفسه صلاحية هو في الأصل لا يمتلكها، فمن المفترض أن يلاحق بالمحاسبة والعقوبة، وكل هذا في سبيل تنظيم المجتمع وضبط العلاقات بين أفراده.