تشهد البؤر المتوترة في المنطقة العربية من الشرق الأوسط "نهبا" ممنهجا للوجود الإنساني وتاريخه وحضارته الممتدة إلى آلاف السنين، وفي المقابل تعد الدول الغربية "العالم الأول" اليوم هي الأكثر تقدما في مجالات الحياة الإنسانية والعلوم والصناعات كافة، ولم يسهم هذا التقدم الهائل والسريع في طمس الهوية الحضارية الجديدة للقديمة، إذ إن الصراعات كانت مرتكزة على مناطق النفوذ مع بقاء الهوية، ولذلك تقدمت هذه الدول في مجال صيانة تاريخها البشري الغربي عبر سلطات الدول المختلفة والمتحاربة من خلال مدخل الحفاظ على الإرث الحضاري، ولذلك تقدمت البحوث والدراسات الميدانية للعلماء والجامعات والمؤسسات العلمية والهيئات الخاصة حتى خارج سياق الجغرافيا الغربية، باعتبار أن هذه العمليات مرتبطة ببحوث ودراسات "علم الإنسان" الذي يهتم أساسا بدراسة الحضارة الإنسانية، وكشف وتوثيق وتحليل أثر الحضارة من خلال البقايا المادية والمخلفات البشرية القديمة، لأجل استيضاح تطور نشوء وتطور الإنسان وتأثيره وتأثره من خلال الثقافات والحضارات.

ومن يقرأ صفحات التاريخ ويتتبع الإرث الإنساني الكبير في منطقة "الشرق الأدنى القديم" يجد الكثير من معالم بناء الحضارة البشرية، خاصة تلك البقع الجغرافية والديموجرافية الواقعة في بلاد مصر وفارس وتركيا والشام والرافدين والشمال الأفريقي وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي، إذ تزخر معظم هذه المناطق بأشكال الحضارة القديمة التي كانت دليلا على وجود تجارب إنسانية عظمى لمستها البشرية وخبرتها عبر المكتشفات الأثرية، إذ دلت الكثير من الآثار في منطقة الشرق الأدنى القديم "الشرق الأوسط حاليا" على حجم الجهد الذي بذله الإنسان في بناء نفسه حضاريا، والآثار تعدّ من أهم شواهد المنجزات الحضارية التي تقدم كدليل مادي على وجود الإنسان في مكان وزمان ما، ولذلك تعدّ هذه المنطقة الزاخرة بمنجزات الإنسان القديم أرض الحضارات والنبوءات والملوك والملكات، والإنتاج والعمل والثروات الطبيعية، كما أنها أرض القوانين والشرائع والتحضر الإنساني الذي تتضح هويته للباحثين عنه.


وشواهد تدمير ونهب الآثار والتماثيل التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وكأن هذا الجزء من العالم يعود قرونا طويلة إلى البربرية، أو بعبارة أخرى إلى "الصِّفر الحضاري" الذي تمثل في تدمير التتار للمنطقة الحضرية التي تعاقبت عليها حضارات عدة، بل إن ما يحدث هو نهب ومصادرة واضحة للعيان تقوم بها جماعات موغلة في التطرف والعداء للإنسان والحضارة، وهذا ليس جديدا، فبعد سقوط بغداد على يد المحتل الأميركي في بدايات الألفية الثالثة، نُهبت شواهد للحضارة وبيعت وتم تداولها في مناطق متفرقة من العالم، ونشهد اليوم تدميرا ونهبا لما تبقى من هذه الشواهد والمعالم الحضارية.

وتعيش المجتمعات الشرق أوسطية مرحلة مفصلية خطرة على وجود الإنسان وتاريخه البشري العميق، فالفوضى العارمة في مناطق الصراع جعلت هذه المنطقة تجمع المتناقضات على القاعدة الشعرية: "مصائب قوم عند قوم فوائدُ" على مرأى من العالم، وهذا ما يؤجج الصراعات ويعزز التكتلات ويسمح أيضا برسم خارطة جديدة ومجتمعات جديدة تشكلها الفوضى!

ويبدو أن هذه الفوضى ستشكل الهويات الكبرى والصغرى معا، فالصراع الذي يوصف عقائديا لا يعدو كونه صراعا قوميا حضاريا، إذ إن الصراع القومي اليوم تتزعمه ثلاث هويات رئيسة هي: الحضارة العربية، والحضارة الفارسية، والحضارة التركية، ووسط هذا الصراع نستعيد التاريخ من خلال مجريات التاريخ خلال الألفي عام الماضية التي كانت السيادة فيها فارسية، ثم عربية، ثم تركية، حتى مع دخول غالبية هذه القوميات في دين واحد هو الإسلام على اختلاف مذاهبه.

والصراع على النفوذ اليوم ليس أكثر من انعكاس للصراع الحضاري المتواري عنا، وفي ظل هذا الصدام البعيد عن مراكز القوى في الحضارة الغربية، شهدنا خلال أربع سنوات فقط الانكفاء على الهويات الصغرى في ظل سقوط أو ضعف سلطة الدولة المركزية التي ضمت جغرافيتها هذه الانتماءات العرقية والدينية سابقا، إذ اضطرت الأقليات العرقية والدينية في مناطق الصراع الجاري إلى الهجرة أو الذوبان في المجتمعات الأخرى بعد صراع عرقي وطائفي عنيف.

وفي ظل هذه الصراعات التي تجمع كل مكونات الحضارة فيه، لا يبدو المستقبل واضحا فيما سيكون الحال عليه بالنسبة لتمدد أطراف أخرى بعد أن ينهك الصراع جميع الأطراف. فالدولة العبرية على سبيل المثال ذات مساحة صغيرة، لكنها قد تتمدد لاحقا، خاصة أنها حاليا آمنة تماما من انتقال العدوى إليها، لكن لا يوجد ما ينفي طموحاتها التوسعية، فهي تعمل جيدا على تنمية مجتمعها وتقوية نفوذ عسكرة دولتها المركزية، في ظل الانشغال بالصراعات السياسية للدول الشرق أوسطية.