في حياتنا نحتاج أن نتخذ الكثير من القرارات وقد تكون يومية. أحيانا يجب أن نختار بين الهام والأهم، بين أهداف سهلة وأخرى صعبة وبعيدة، بين ما يظهر على أنه الأفضل بالنسبة لنا وبين ما هو في مصلحة الناس، بين اللامبالاة والالتزام، بين الجبن والشجاعة، بين الخداع والنزاهة، بين الأمان والمخاطرة، بين الراحة والتعب، بين المال أو المادة وبناء العلاقات مع من حولنا، بين التراجع والإقدام، التسامح والانتقام، الإفادة والاستغلال، وغيرها الكثير.
إن ما نختاره هو الذي يرسم خطوط الإنسانية في شخصياتنا، أي يجعلنا نرتقي أو نكون سلبيين نعيش بين ما يسمى بشرا!
هؤلاء الذين يرون للحياة معنى. من خلال المحن صعدوا، وإن لم يكتب لهم الفوز دائما لكنهم دائما يخرجون منها أقوى وأكثر حكمة. منهم من فقد عزيزا ومنهم من يعيش مع طفل ذي احتياجات خاصة، ومنهم من يعيش مع مرض عضال، منهم من ينتظر الموت، ومنهم من يموت في اليوم بدل المرة ألف مرة. منهم من يعيش في كنف أسرة مفككة مدمرة، ومنهم من عاش أهوال عنف أو تَعَدٍ. ألم بعد ألم، وأدمع بعد أدمع، ولكنهم لم ييأسوا من رحمة الله.
من المحنة خرجوا بحكمة. أناس يدعمون الآخر بالرغم من التكلفة والجهد وأحيانا المخاطرة، لكنهم يرون بذلك إضافة وإثراء. لا يقفون على رصيف الحياة للمشاهدة بل يجعلون من أنفسهم جزءا منها. تجدهم دائما يبحثون عن الحل بدلا من أن يتوقفوا عند المشكلة، وإن كان فقط على نطاق ضيق كمساحة الأسرة أو العمل.
قد نتساءل: ما الذي يجعل شخص ما -رغم الضغوط- قادرا على خلق معنى للحياة، إنسان يرفض أن يعيش على الهامش ويصر على المشاركة بكل همة ونشاط، إنسان منشغل في البحث عن الحلول؟ وكيف يمكننا بناء مثل هذه العقلية في حياتنا الخاصة؟ لقد قابلت الكثير في حياتي الشخصية والعملية، ووجدت أن كلا له حياة، والكل يواجه تحديا من نوع أو آخر في حياته، ولكنني وجدت أيضا أن البعض يواجه تحديات صعبة بل منهم من كانت هذه التحديات تأتي على شكل متواتر!
الذي كان دائما يظهر لي أن من وقف وواجه التحدي في الكثير من الأحيان يخرج منتصرا أو على الأقل يعبر بمخزون إضافي، الخبرة والحكمة، وما أذهلني هنا أن أجد معظمهم يصبح مصرا على مساعدة غيره والأخذ بأيديهم، وعلى ما يبدو أنهم اختاروا ألا يقضوا وقتهم في السؤال: "لماذا؟، بل حولوا جل تفكيرهم إلى: "ماذا؟"، بمعنى ماذا يمكنني أن أفعل بما تعلمته لغيري؟ لقد قرروا العمل على أن يجعلوا لحياتهم وتحدياتهم معنى، كيف؟ بالعمل على جعل العالم من حولهم أفضل، كالقيام على تحسين من جودة الحياة بالنسبة لغيرهم من خلال ما يمتلكونه من علم، من معرفة أو من مهارات، أو ربما تصحيح وضع خاطئ أو منع توقف أو انتهاء شيء نافع أو جميل.
يختارون قضية أو قضايا عدة تهم المجتمع ويقفون بكل شجاعة وإقدام في تحمل مسؤولية الفعل والقول، لا يخافون الخسارة أو المواجهة، فما مروا به ربما كان أقسى وقد جربوا مرارة الألم، لقد ذاقوا طعم النجاح والفشل، ويعرفون تماما الفرق بين الوقوف في صفوف المتفرجين وبين التحرك داخل صفوف الباحثين عن الحلول، ومن هؤلاء أعطي مثالا حيا من مجتمعا.
الدكتورة سامية العمودي، شخصية جسدت الإنسانية بكل معنى للكلمة، خلقت من التحديات طريقا تستطيع خلاله مساعدة غيرها، خاصة المرأة، على السير فيه بفكر وثقافة ووعي بحقوق كانت غائبة عنها، تعرضت الدكتورة لكثير من المصاعب ووجهت بشراسة من البعض، لكنها لم تتخل عن قضيتها وتابعت رافعة الرأس قوية العزيمة صلبة الإرادة، ورغم تواتر التحديات لم تتوقف لتسأل: "لماذا؟" كان جل اهتمامها: "ماذا؟"، لقد أدركت بإيمانها العميق وذكائها الحاد ماذا تستطيع أن تفعل لغيرها من خلال ما خرجت به من معاناة مرض السرطان، شاركت وتواصلت، بثت الأمل، قالت لمن يعاني مثلها أو من لديهم من يعاني من نفس المرض، لستم وحدكم، تحدثت وأصغت، ذرفت دموعها ومسحت دموع غيرها، أصبحت منارة المحبة والأمل، بل هي اليوم للكثير والكثير رمز الإنسانية، نتعلم منها كل يوم كيف تكون المحبة، وكيف يكون العطاء، وكيف تكون التضحية.
توقفوا قليلا وابحثوا من حولكم ستجدون غيرها. ستعرفونهم بالتأكيد، هؤلاء هم القدوة وهؤلاء من يجب أن نتعلم منهم كيفية بناء الإنسانية بداخلنا. مَن منا لم يمر بتحدٍ؟ من منا لم يعرف طعم الألم؟، فلنخلق من هذا التحدي طريقا ولنحول الألم إلى أمل.