أصدر "كذبان الدعيّ" مجموعة من "سوالفه" في كتاب، وسمّاها مقالات، أو أنه كتب بعض الحكايات الملفقة، ثم أصدرها، مصنفا إياها في فن القصيرة، وربما جمع بعض خواطره الرديئة لغة وفنا، ثم أصدرها موهما الشعرَ بأنها قصائد نثر، وقد يذهب إلى أبعد من ذلك، فيجمع بعض تغريداته المتهالكة، في كتاب عنوانه: "الدر المكنون من تغريدات أبي الفنون"، وقد يكون "كذبان" من الحاصلين على درجة الدكتوراه بتقدير "هلكوني".
وهكذا يجد "كذبان الدعيّ" نفسه محشورا في "باص" المثقفين، حيث يهديهم نسخا من "سوالفه"، و"حكاياته"، و"نثيراته"، و"تغريداته"، فيكبر رأسه، وتنتفخ بطنه، ويبدأ في نقد الرموز، والإساءة إليهم، والتقليل من جهود ذوي الجهود الحقيقية.
صاحبنا هذا، لم يجد شيئا يوقعه في معرض الكتاب القادم؛ لأنه ليس مبدعا، ولا باحثا، ولا ناقدا، ولا يصلح أن يكون شيئا من ذلك على الإطلاق، ورغم ذلك فإنه يشعر بوجوب حضوره في الإعلام بأي وسيلة، وتحت أي عنوان.
وفي هذه الحال، يبدأ المثقف العظيم، والمفكر الكبير، في ابتكار وسائل تجميع الضوء حول ذاته الهشة، ومن نماذج تلك الوسائل:
- أن يلتقط فكرة جزئية في مقال كتبه أحدهم، ويدعي أن هذه الفكرة مسروقة من مقال نشره في مجموعه المقالي العظيم، ثم ينفذ جولات مكوكية على مكاتب الصحف في مدينته، ليخبرهم بتفاصيل السرقة الأدبية الكبرى، فتنشر الصحف صورته، يعلوها عنوان: "فلان يتهم فلانا..... إلخ".
- أن يدعي أن إحدى دور النشر قد طبعت عشر طبعات من ديوانه النثري الخارق دون علمه، ويمارس الدور نفسه مع مكاتب الصحف، لتُنشر صورته وفوقها عنوان يحتوي على تهديده بمقاضاة الدار المبتلاة برجيع ديوانه الرديء.
- أن يكتب تغريدة، أو منشورا "فيسبوكيا" يتهم فيها، أو فيه إحدى الجهات المنظمة، لأحد المؤتمرات، أو الملتقيات، أو الندوات، بأنها تعمل على تكريس الاختلاط، وتسهم في سفور المرأة، وتتنازل عن العادات والتقاليد، ليجد حوله ألف طبلة بشرية تشيد بغيرته على أعراض المسلمين، وترفع من شأنه، وتصفه بأنه "لا يخاف في الحق لومة لائم". وهنا، فإنه قد يضع رأسه على المخدة، بعد مكالمة خادشة للحياء مع امرأة عابرة، وهو يحلم بتعيينه مديرا لتلك الجهة المنظمة، إثر ظهوره أمام المسؤولين والرأي العام، في صورة الغيور المنقذ الذي سيعيد إلى المؤتمرات فضيلتها الضائعة!
- أن يدعي أن أحدهم اتصل به، مبشرا إياه باختياره للفوز بجائزة ثقافية كبرى عن كتابه العظيم: "خذ وخل"، وأن جهة ما اعترضت على فوزه، وأسقطت اسمه في اللحظات الأخيرة، ليظهر في صورة البطل المناضل الذي خسر الجائزة، بسبب مبادئه!
أليست هذه الممارسات هي ما نقرؤه يوميا على صفحات ملاحقنا الثقافية؟
إنها باختصار، أعراض مرض اسمه: "الإفلاس الثقافي".