عن منتدى جازان الاقتصادي يدور الجدل والحديث هذه الأيام في جازان، وتتعدد الأطروحات هنا وهناك عن جدوى وتأثير ذلك على حاضر المنطقة ومستقبلها، إذ يذهب البعض في تحليلاته وآماله إلى مناطق الحالمين، فيما يذهب البعض الآخر في انتقاداته إلى التأكيد والقطع بفشل المنتدى، جازماً أنه ممسك بصلب الحقيقة وتلابيبها!

وأظنني لن أبتعد كثيرا إذا ما قلت إن مرد ذلك قد يعود إلى قلة الخبرة بأمور التجارة الكبيرة، والمشاريع العملاقة لدى غالبية أهل المنطقة، وهو أمر طبيعي نتيجة غيابها لعقود طويلة عن التدفق المالي الاستثماري والتنموي ومشاريع الصناعات النوعية، وهو ما تناوله صراحة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) إبان زيارته للمنطقة في قوله: "لقد تأخرت مسيرة التنمية في جازان في الماضي، لظروف لم يكن لأحد يد فيها، إلا أن دولتكم عقدت العزم على إنهاء هذا الوضع..".

اليوم وللحق فإن السنوات الماضية شهدت على قفزة جيدة للمنطقة، من الناحية التنموية وبناء البنى التحتية، وهي من أهم عوامل جذب رؤوس الأموال والاستثمارات النوعية، التي قفزت نسبتها في جازان إلى (700%) خلال عشر السنوات الماضية كما جاء على لسان أمينها الأستاذ محمد الشايع.

ومن خلال متابعاتي لمعظم ما نشر من انطباعات وتحليلات عن هذا المنتدى، لفت نظري ما أظن أنه أحد أبرز أحداثه، التي تمثلت في حديث الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو المهندس خالد الفالح عن مصفاة البترول بالمنطقة، التي تُعد من أكبر المصافي السعودية والشرق الأوسط على البحر الأحمر، وستكون منفذا استراتيجيا لصادرات البترول السعودية إلى العالم.

وجاءت إجابة معالي وزير البترول السعودي المهندس "علي النعيمي" على سؤال وجهه له مدير مكتب صحيفة "الوطن" الزميل حسين معشي عن وضع أسعار النفط الحالي قائلاً: "لماذا تثيروا الأسعار.. اتركوا موضوع أسعار النفط"، مضيفاً أنه لا يحب الحديث عن البترول الآن، لأنه يريد الهدوء والركود في الوقت الحاضر. مشيراً في الوقت نفسه إلى توجه السعودية إلى توسيع قاعدة الصناعات البترولية المختلفة، من أجل خفض الاعتماد على البترول في إجمالي الناتج المحلي". وسرعان ما انعكست هذه التصريحات المقتضبة للرجلين إيجاباً على أسواق النفط العالمية، لترفع من قيمة سعر البرميل الخام.

أشعر أن منتدى جازان الاقتصادي في طريقه إلى تحقيق الهدف من إقامته، فمثل هذه الفعاليات تسبق الترجمة على الأرض دائماً، وهي نافذة استطلاعية بالدرجة الأولى تشبه تماما عرض البضاعة على الزبون، ومحاولة تقديم ما يبعث الطمأنينة في نفسيات أصحاب رؤوس الأموال، فالمستثمر عادة لا يُقدم على شراء الأسماك في عرض البحر، والقاعدة الاقتصادية تقول: "رأس المال جبان"، بمعنى أنه لا يحب المغامرات، وهذا المنتدى هو كشف لقدرات ومقدرات جازان، وهذا أمر طبيعي جداً بل هو الخطوة الصحيحة لدخول الاستثمار الثقيل، كالصناعات الثقيلة إلى جازان.

وتقييم المنتدى (فشلاً أو نجاحاً) لا يبدو موفقا أو متوافقا مع القواعد الاقتصادية والاستثمارية، بل إن الوقت مبكر جداً للخوض في ذلك أصلاً.

وأراهنكم على أن جازان مختلفة تماماً خلال عشر السنوات القادمة، وأنها ستعيد حسابات منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وتوازناتها الاقتصادية والسياسية، مع أول سفينة ستغادر مصفاتها محملة بالنفط المكرر إلى العالم لا يمر بمضيق هرمز.