ما نتابعه هذه الأيام بالغ الدقة، لأن كل الاجتماعات والخطب والمفاوضات والانقلابات والعنف المتزايد هنا وهناك غير مقدر له الاستمرار لمدة أطول كما يعتقد الكثيرون، لأن خسائره الآن أقل بكثير مما هو قادم، وتكاليفه أيضا أصبحت عالية جدا، إضافة إلى آثاره المدمرة التي تحتاج إلى ثروات كبيرة وغير متاحة وسنوات طوال من أجل عودة تلك الدول إلى ما كانت عليه قبل عشرات الأعوام.
وبالذات في سورية والعراق وغزة التي قدر تقرير الأسوأ.. فتكاليف إعادة إعمارها750 مليار دولار، أي أكثر من إنتاج إيران للنفط لسنوات.
الأزمة في حالة انحسار ولم يعد فيها أي لبس أو ادعاء. وهي رغبة دول إقليمية ومعها إسرائيل في أن تكون جزءا من المنطقة وسياساتها ومستقبلها وتأثيرها المباشر على القرارات السيادية لكثير من دول المنطقة تحت مسميات عدة. والنتيجة واحدة وهي الانخراط في كل تفاصيل المنطقة والتدخل في سياساتها الداخلية والاقتصادية.
وقد توغلت هذه الدول كثيرا وتوسعت كما توسع نابليون إلى أبواب موسكو، بعد أن حُرقت كل المدن والقرى في طريقه والمؤن فجاع جيشُه وهلك وانهزم. وهكذا حصل مع هنيبعل وهتلر إذ توسّعا أكثر من قدرتهما على إطعام جنودهما.
المضحك المبكي هو كيف أن هذه الدول الطموحة حديثا تتحمل أعباء انسحاب أكبر دولة عسكرية في العالم من المنطقة بعد احتلالها العراق، إذ خسرت آلاف الجنود وتريليونات الدولارات وقررت الانسحاب، وأهدت تلك الدول الإقليمية المجاورة هدية مسمومة وهي الشرق الأوسط الشديد الفوضى والعنف. إذ تأقلمت الشعوب مع التشريد والموت ولم يعد لديها شيء تخسره وأصبحت في ألطف حالاتها "عليّ وعلى أعدائي".
تنافست هذا الأسبوع كل من إيران وإسرائيل على محبة أميركا. وكانت النتيجة حب كبير لإسرائيل من قبل الأكثرية المطلقة في الكونجرس الأميركي. إذ ألقى نتنياهو كلمة مدتها 41 دقيقة، ولقي 26 تصفيقا ووقوفا.
وحصلت إيران على حب كبير من الإدارة الأميركية والرئيس أوباما ووزير خارجيته عبر التنزه الطويل مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مونترو في سويسرا.
الأمور شائعة ومأساوية ولكنها ليست طويلة الأمد كما يعتقد الكثيرون. إذ أصبحت محددة النتائج بالنسبة للمنتصرين والمهزومين، خصوصا العرب بكل ما تعني هذه الكلمة التي يدعي الكثيرون معرفة معناها. وهي كل المسلمين والمسيحيين واليهود العرب أيضا وكل المستعربين من أجناس العالمَيْن القديم والحديث الذين استقروا هنا وشاهدوا الكثيرين يأتون ويحتلّون وبعد ذلك إما يستعربون أو يرحلون. والجدار العازل في إسرائيل خير دليل. وهو جدار بين العرب وإسرائيل غير القابلة للحياة بشكل طبيعي في محيطها ما لم تستعرب. وفي بحث آخر نتعمق أكثر في خطابَيْ نتنياهو في الآيباك والكونجرس وعلامات الاستعراب الكثيرة في حديثه عن المنطقة ودولها وشعوبها وأديانها.
أردنا أن نضع الأمور في سياقها. وألا نتوقف كثيرا عند الضجيج الذي أحدثه نتنياهو في الكونجرس الأميركي، لأنه من الواضح أن الإدارة الأميركية ماضية في السعي إلى الاتفاق مع إيران وهو أمر استراتيجي للرئيس أوباما الذي أهدر في هذا الملف ست سنوات من ولايته وتعامل مع المنطقة على أساس عنوانَيْن فقط، وهما: التخصيب الإيراني والاستيطان الإسرائيلي. وهذا ما يجعلنا نعد أن الدولة الفلسطينية الموعودة هي الوجه الآخر لتلك الاستراتيجية التي ستواجه صعوبات جمة في حال فوز نتنياهو بالانتخابات القادمة في 17 مارس 2015.
إن الاضطراب الواضح لدى كل من إيران وإسرائيل ناتج عن السياسة العربية الجديدة التي تتمثل في مجموعة الدول العربية بقيادة كل من المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات والكويت وما يسعى إليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، من تعزيز التوافق حول إعادة العمل العربي المشترك إلى مساره الطبيعي. وقد شعرت كل من إيران وإسرائيل بجدية هذا التوجه، خاصة مع اقتراب القمة العربية في 28 مارس 2015 التي ستكون المحطة الأساس في هذا التحول العربي الجديد.
من هنا تأتي زيارة جون كيري إلى المملكة العربية السعودية ومعه حصيلة مفاوضاته مع إيران التي تزداد توترا واضطرابا في سياساتها الفوضوية في المنطقة. إلا أنها لن تستطيع استخدام تلك الفوضى في المنطقة لوقت طويل بعد أن حققت أهدافها في الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية. وإن الجماعات التي استخدمتها لم تكن سوى أوراق ضغط من أجل مصالحها الإيرانية البحتة. وستشعر تلك الجماعات بحجم خسائرها وضحاياها، وكيف أنها فككت مجتمعاتها وأحرقت دولها وقتلت شبابها ونساءها وأطفالها من أجل إيران ومصالحها.
كما ستتذكر كثيرا قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا ليت بيني وبين فارس جبل من نار".