لعل من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور وتمدد جماعة "داعش" خلال السنوات القليلة الماضية، هو عدم التعامل مع عدد من الأسئلة الملحّة من قبل العالم في حربه قبل سنوات مع جماعة القاعدة وخلاياها السرطانية التي انتشرت في أرجاء عدة من العالم، إذ تم التعامل مع الجماعة باعتبارها فقط خطرا أمنيا وليس باعتبارها سرطانا اجتماعيا قابلا للانتقال والعدوى، عبر تنفس إعلام اجتماعي متزايد في التأثير، وتزايد خبث العقلية الإجرامية وتصاعدها لدرجة من السادية يصعب السيطرة عليها.
اليوم والعالم يعيش ارتدادات ذلك الإخفاق الذي تجلى في سوء تقدير المعطيات في التعامل مع العقلية الدينية المسلحة التي تحارب جميع من يخالفها في الرأي مهما كان ذلك الرأي سياسيا أم عقائديا، نجد أن الأخطاء ذاتها تتكرر، فعلى الرغم من أن العالم كله أصبح اليوم أكثر وعيا بخطر هذا السرطان الفكري إلا أن التركيز كما يبدو يتمحور في محاولة إيجاد حلول عملية للمرحلة الحالية "أي مرحلة المواجهة"، في حين أرى أنه من الواجب أن يتم التركيز كذلك، وبشكل جدّي، على التعامل مع الأسئلة الملحّة التي يجب أن توضع لها حلول ومخارج لمرحلة ما بعد المواجهة، وذلك قبل أن نجد أنفسنا كما وجدنا أنفسنا مع مرحلة القاعدة نقضي على خلايا وجيوب ونترك المجال ليُخلق إرهاب جديد أفظع وأبشع. الأسئلة التي أرى أنها يجب أن تناقش في هذه المرحلة الحرجة من المواجهة مع جماعة "داعش" هي: كيف سيتم التعامل مع جنود وقيادات ومنظري هذه المنظمة الإرهابية بعد أن يتم هزيمتهم وتفتيت كيانهم الذي يسمونه دولة؟، ثم هل سيتم محاكمتهم في الدول التي يتم إلقاء القبض عليهم فيها أم في دولهم الأصلية؟، وهل ستقبلهم دولهم الأصلية أم سترفض تحمل مسؤولية محاكمتهم وخوفا من فتح مجال لانتقام بعض الخلايا الإرهابية التي ستبقى طليقة وملاحقة؟، كما أن من الضروري السؤال في حال رفضت الدول محاكمة مواطنيها فأي الدول لديها الحق في محاكمة هؤلاء ووفق أي قانون؟، وهل سينظر إليهم باعتبارهم أسرى حرب تطبق عليهم القوانين الدولية المعمولة في هذا الشأن أم سيعاملون باعتبارهم إرهابيين وقتله؟، وهل سيتم محاكمتهم فرديا أما جماعيا؟، وهل ستكون التهم جنائية وفق إثباتات شهود وقرائن أم ستكون اتهامات سياسية؟
وأخيرا، كيف يمكن لنا أن نضمن ألا تظهر جماعة جديدة من تحت عباءة "داعش" كما ظهرت جبهة النصرة من تحت عباءة القاعدة؟