"هل ستختفي النساء من كوكب الأرض؟"، تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوموند الفرنسية دراسة حول تراجع عدد المواليد الإناث في العالم.

حسب المعيار البيولوجي الثابت الذي استندت إليه الصحيفة يولد كل يوم على الأرض ذكور أكثر من الإناث "مئة وخمسة من الذكور مقابل مئة من الفتيات"، ووفق الإحصائيات تتزايد وفيات الذكور في كل عصر، مما يخفف من وطأة هذا الفائض الطفيف في عدد المواليد بين الجنسين.

ورغم هذه المعايير الشبه ثابتة حدثت طفرات لم يتمكن علم الأحياء من تفسيرها.

ففي عام 1990 أطلق الهندي أمارتيا سين الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد صرخة استغاثة في مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" محذرا العالم من فقدان أكثر من 100 مليون امرأة  وهو أمر غير طبيعي، بل مأساة عالمية حسب أمارتيا.

آسيا بشكل خاص تعاني من هذه المشكلة، لا سيما مع الإفراط غير الطبيعي في ولادة الذكور بسبب استبعاد العديد من الأجنة الإناث قبل الولادة.

البلقان والقوقاز شهدت الظاهرة نفسها في منتصف 1990 بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

وتتابع الصحيفة أن التقاليد البطرياركية والذكورية التي  تنطوي غالبا على اهتمام أقل بالفتيات الصغيرات، إضافة إلى التقدم التكنولوجي مثل الحصول على الموجات فوق الصوتية، لمعرفة جنس الطفل سلفا، تسهم في زيادة الخلل الأولي.

في أفريقيا يبدو الوضع أفضل ظاهريا، إذ يولد كل يوم كمعدل وسطي 103 صبية مقابل 100 فتاة إلا أن هذا التوازن الظاهري لا يخفي حقيقة زيادة معدلات وفيات الأمهات والنساء كونهن الأكثر تضررا من الإيدز والأوبئة، وتعيش المرأة الأفريقية ثلاث سنوات فقط أطول من الرجال، مقابل سبعة في أوروبا.

ليس النظام الأبوي هو المسؤول الوحيد عن هذا الاختلال، بل أيضا الظواهر الاقتصادية والسياسية التي تعيد تشكيل الجغرافيا العالمية للرجال والنساء ومن أبرزها الهجرة: على سبيل المثال، رحيل الرجال من أميركا اللاتينية إلى الدورادو في أميركا وترك الكثير من النساء وحدهن في بلادهم الأصلية.

وبالمثل، أدى تدفق العمال الذكور إلى الخليج العربي إلى اختلال التوازن بين الجنسين مصحوبا بمفاهيم معقدة للهوية في البلاد التي يشكل المغتربون فيها حوالى 80? من السكان.

وأخيرا، تختم الصحيفة بالحديث عن الحروب الأهلية التي تتسبب في زيادة معدلات وفيات الرجال، ففي سورية مثلا تسببت الحرب حتى اللحظة في أكثر من مئتي ألف حالة وفاة "ثمانون بالمئة منها من الرجال".

طبعا وللأسف، في جميع الحالات تبدو المرأة الخاسر الأكبر، فمقابل التطور الاقتصادي الهائل الذي تشهده بعض البلاد في العالم من فقر مدقع يتفاقم في بعضها الآخر، ما يجعل النساء ضحايا للفقر والإهمال الصحي والعنف الجسدي والمعنوي وعمليات الاتجار بأجسادهن أو بأيديهن العاملة المسترخصة، وفي أفضل الحالات بقاؤهن وحيدات دون فرصة للزواج نتيجة ارتفاع معدلات العنوسة بسبب هجرة الذكور إلى العمل في بلاد الثروات.

وفي الحروب التي تتيح حسب علم الأحياء التوازن الديموجرافي بين النساء والرجال، مقابل كل  ذكر يُقتل أو يصاب بالعجز هناك امرأة واحدة على الأقل تفقد معيلها وأمانها العاطفي سواء كان زوجا أو أبا أو ابنا أو أخا، فضلا عن الأثمان الباهظة التي تدفعها النساء المعارضات للأنظمة الحاكمة، من خلال عمليات الاغتصاب والاعتقال والتعذيب والسبي والتشويه المعنوي والاجتماعي، كما يحدث في سورية والعراق وفلسطين.

جاءت قوانين حقوق الإنسان وملاحم التطور التكنولوجي ومسرحية القرية الكونية الواحدة لإنقاذ البشرية ومساندة المرأة في مشروعها الإنساني والتحرري، فاستخدمه الأشرار لقتلها مجددا، وما عمليات إجهاض الأجنة الإناث بعد معرفة جنسهن عبر الأشعة الحديثة إلا "وأد" جاهلي مستعاد تحت ستار الحداثة.

استخدام آلة الإعلام الغربية ومنابع الإنترنت لتسويق منتجات "داعش" كذريعة مقنعة لمواصلة تفتيت سورية وتجاهل جرائم النظام السوري بحق النساء السوريات، الضحايا الأكثر تضررا من هذه الحرب، مثال حي أيضا على الخديعة في عالم يفتح القبور للنساء كل دقيقة ثم يحتفي دون أي خجل باليوم العالمي للمرأة.